سوريا: تقويض جوهر الدولة وتداعياته الخطيرة على المجتمع والأجيال


هذا الخبر بعنوان "ضرب جوهر فكرة الدولة" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الكاتب محمد محمود هرشو أن الأزمة في سوريا اليوم تتجاوز كونها اقتصادية بحتة، لتلامس جوهر بنية الدولة ذاتها. فما يُشاهد على الأرض ليس سلطة تدير مؤسسات الدولة بمسؤولية، بل فصيل يتعامل معها كملكية خاصة وغنيمة، وينظر إلى المجتمع كعبء يجب تقليص تكاليفه. هذه الرؤية تشكل كارثة حقيقية، إذ يبدو أن القائمين على الحكم لا يدركون المعنى الحقيقي للدولة، ولا واجباتها الأساسية، ولا الفارق الجوهري بين إدارة الموارد العامة وبيع الممتلكات الخاصة.
إن الدولة، في أبسط تعريفاتها، هي الكيان المسؤول عن حماية مواطنيها وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لهم، والتي تشمل الصحة والتعليم والغذاء والبنية التحتية. هذه ليست مجرد "امتيازات"، بل هي حقوق أساسية للمواطن. وعندما تُفرَّغ الدولة من هذه الوظائف الجوهرية، فإنها تتحول إلى هيكل فارغ، أو ما هو أسوأ، إلى شركة جباية تقتصر مهمتها على تحصيل الأموال من الناس دون الوفاء بمسؤولياتها تجاههم.
قبل الحرب، ورغم كل أوجه القصور والفساد المستشري، كان هناك حد أدنى واضح من الخدمات. فالمستشفى الحكومي كان يستقبل المرضى، والمدرسة كانت تفتح أبوابها للطلاب. لم يكن المستوى مثاليًا، لكن الأبواب لم تكن مغلقة في وجه الفقير. كان بإمكان أي عائلة، مهما كان دخلها محدودًا، أن توفر التعليم لأبنائها والعلاج لمرضاها دون أن تتعرض للانهيار المالي. هذه الحقيقة، التي قد يسخر منها البعض اليوم، هي التي مكنت أجيالًا كاملة من الخروج من دائرة الفقر، ليصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين وصحفيين يعملون اليوم في أكثر الدول تقدمًا.
اليوم، يجري تقويض هذه القاعدة الأساسية بوتيرة متسارعة. فإضعاف التعليم الحكومي لا يعني فقط تراجع المستوى التعليمي، بل يعني عمليًا إخراج ملايين الأطفال من المسار التعليمي. هؤلاء الأطفال لن يختفوا؛ سيكبرون خارج أسوار المدرسة، بلا مهارات أو آفاق مستقبلية واضحة. وفي بيئة مفككة كهذه، فإن السوق الأكثر استعدادًا لاستقبالهم هو سوق السلاح. إن جيلًا كاملًا يُدفع، عن سابق تصميم، ليصبح مادة خامًا للميليشيات والفصائل المسلحة، أو مرتزقة يُباعون ويُشترون في حروب الداخل والخارج. هذه ليست مبالغة، بل هي نتيجة معروفة ومحتمة عندما يُكسر التعليم وتُغلق أبواب الفرص أمام الشباب.
في المقابل، يأتي استهداف القطاع الصحي ليكمل هذه الصورة القاتمة. فخصخصة المشافي الحكومية لا تُعد "تحديثًا"، بل هي انسحاب صريح من المسؤولية. ومعناها ببساطة: من يملك المال يعيش، ومن لا يملك يُترك ليموت بصمت. فعندما تختفي أدوية السرطان من المستشفيات الحكومية لتظهر في السوق السوداء، وحين يصبح العلاج مشروطًا بالدفع المسبق، فإننا لا نتحدث عن مجرد خلل، بل عن قرار متعمد يدفع غالبية السوريين نحو الهامش الصحي، حيث يتحول المرض إلى حكم نهائي لا مفر منه.
ثم يبرز السؤال المحير: كيف يحدث كل هذا في وقت يُقال فيه إن الظروف أفضل؟ أين ذهبت الوعود بالتحسن؟ وكيف كانت الدولة، تحت أقسى العقوبات والحصار، قادرة على الحفاظ على دعم الخبز والكهرباء والخدمات الأساسية، بينما تُرفع اليوم الأسعار بشكل جنوني وتُسحب الخدمات الواحدة تلو الأخرى؟ الجواب واضح: الأولويات قد تغيرت، ولم يعد المواطن في صلب اهتمامات الدولة. ما يُبنى الآن ليس اقتصاد سوق حقيقي، بل نظام يفرز المجتمع إلى فئتين: قلة قليلة قادرة على الدفع فتنجو، وأكثرية ساحقة تُدفع إلى الفقر والجهل والمرض. وفي ظل غياب التعليم والصحة، لا يتبقى أمام هذه الأكثرية سوى مسارات العنف أو الهجرة أو الموت البطيء. إنه مشروع لإعادة تشكيل المجتمع على أسس خطيرة. دولة تُفرّغ من وظائفها، ومجتمع يُدفع إلى التفكك. والنتيجة، إن استمر هذا المسار، لن تكون مجرد أزمة معيشية عابرة، بل جيل ضائع يُعاد تدويره كوقود لصراعات لا تنتهي.
سياسة
سياسة
سياسة
سوريا محلي