قلعة الكوكو في الزبداني: معلم أثري يكشف تحولاته من معبد قديم إلى موقع دفاعي عبر العصور


هذا الخبر بعنوان "قلعة الكوكو في الزبداني بريف دمشق… حكاية معلمٍ تحوّل من معبد إلى موقع دفاعي عبر العصور" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تقع قلعة الكوكو الأثرية على تلٍ مرتفع غرب مدينة الزبداني في ريف دمشق، على بعد حوالي كيلومترين منها، لتشكل شاهداً حياً على تحولات تاريخية عميقة. تتيح هذه القلعة فرصة لإجراء قراءة دقيقة تجمع بين المعطيات الأثرية والتأويل العلمي الحذر.
تحمل القلعة دلالات لغوية وتاريخية مهمة؛ حيث يُرجّح أن اسمها مشتق من الكلمة اليونانية "Kokkos" التي تعني "الحبة" أو "البذرة"، وهو ما يشير، على الأرجح، إلى ارتباط الموقع بالبيئة الزراعية المحيطة التي نشأ فيها.
وفي سياق الكشف عن طبيعة الموقع، أوضح الدكتور عمار محمد النهار، رئيس قسم التاريخ في جامعة دمشق، في تصريح لوكالة سانا، أن الشواهد المعمارية المتبقية توحي بأن قلعة الكوكو لم تُشيد في الأساس كمنشأة عسكرية. بل يرجح أنها كانت مركزاً دينياً محلياً يعود تاريخه إلى الفترة الهلنستية أو الرومانية.
وأشار الدكتور النهار إلى أن بقايا الأعمدة الحجرية والقواعد المعمارية، بالإضافة إلى النقوش اليونانية الظاهرة على بعض الكتل، تدعم فرضية وجود معبد أو فضاء تعبّدي في الموقع. ويرجح أن هذا المعبد كان مرتبطاً بالبيئة الزراعية المحيطة، خاصة مع اكتشاف معاصر للزيت والعنب منحوتة في الصخر، وهي مكونات أساسية للاقتصاد الريفي في تلك الحقبة.
لكن الدكتور النهار نبه إلى أن هذا الاستنتاج يظل في إطار الترجيح العلمي، نظراً لغياب نصوص صريحة تحدد طبيعة العبادة أو اسم الإله المعبود. وحذر من التسرع في الانتقال من المعطيات الأثرية إلى تأويلات قد تفتقر إلى الدقة.
شهد الموقع تحولاً وظيفياً بارزاً عبر العصور، حيث أشار الدكتور النهار إلى أنه أُعيد استخدامه في العصر البيزنطي كموقع دفاعي أو نقطة مراقبة. وقد استُفيد من موقعه المرتفع وإشرافه على الطرق الحيوية، وهي ممارسة شائعة في تاريخ بلاد الشام، حيث كانت المواقع الدينية القديمة تُوظف لأغراض عسكرية دون الحاجة لإعادة بناء شاملة.
كما كشفت المغارات الصخرية التي تحتوي على قبور متعددة عن بُعد جنائزي للموقع، مما يشير إلى وجود استيطان بشري ارتبط به في مراحل تاريخية مختلفة. هذا التعدد الوظيفي، الذي يجمع بين الجوانب الدينية والاقتصادية والجنائزية والعسكرية، يقدم نموذجاً مصغراً لتحولات المكان في التاريخ السوري.
وبخصوص النقوش اليونانية، أكد الدكتور النهار أنها تشكل مادة علمية ثرية، لكنها تستدعي قراءة دقيقة ومتأنية. فقد أشار إلى أن بعض التفسيرات المتداولة تفتقر إلى الأساس العلمي، وتمزج بين الأسماء الشخصية والتأويلات الأسطورية. وشدد على أهمية دراستها وفق منهج إبغرافي (علم النقوش) قبل ربطها بأي دلالات تاريخية.
ولفت الدكتور النهار أيضاً إلى أن اسم الزبداني بصيغتيه القديمتين "Zabadon" أو "Zabadoni" يعكس تداخلاً لغوياً وثقافياً عميقاً. ويرجح أن يكون الاسم ذا أصل سامي (آرامي) تم نقله إلى اليونانية، مما يعبر عن طبيعة المنطقة كملتقى للحضارات وتداخل للغات.
وأشار الدكتور النهار إلى أن الموقع تعرض لأضرار خلال العقود الأخيرة بسبب الحرب والعمليات العسكرية، مما أدى إلى فقدان أجزاء من معالمه. ومع ذلك، فإن ما تبقى منه لا يزال كافياً لتقديم صورة واضحة عن تاريخه وتحولاته، من مركز ديني محتمل إلى موقع دفاعي، ليصبح شاهداً أثرياً يتطلب المزيد من الدراسة العلمية الدقيقة.
تظل قلعة الكوكو مثالاً حياً يجسد تحولات الأماكن في سوريا على مر العصور، حيث تتراكم طبقاتها التاريخية وتُعاد صياغتها ضمن سياقات جديدة ومتغيرة.
سوريا محلي
ثقافة
صحة
ثقافة