«الوعد الزائف»: كتاب كرم نعمة يقدم قراءة نقدية عميقة لأثر الذكاء الاصطناعي على الإنسان والوعي الجمعي


هذا الخبر بعنوان "«الوعد الزائف» … كتاب لكرم نعمة يقدم قراءة في أثر الذكاء الاصطناعي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقدم الكاتب والصحافي العراقي-البريطاني كرم نعمة، في كتابه الجديد الموسوم بـ«الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي أكثر ما لا تستحق»، قراءة متعمقة لأثر الذكاء الاصطناعي على المخيال الجمعي، ويضع القارئ أمام تساؤل وجودي جوهري: «ماذا يحدث للإنسان حين تتحول الرغبة إلى خدمة فورية، والمعرفة إلى منتج آلي، والخيال إلى خوارزمية؟».
لا يكتفي الكتاب، الذي صدر حديثاً عن دار خريف للنشر في تونس، برصد التحولات الرقمية المتسارعة، بل يتجاوز ذلك إلى تحليلها عبر أدوات فكرية وسردية دقيقة. يأتي هذا الإصدار في لحظة عالمية تشهد تسارعاً غير مسبوق في التحولات الرقمية وتزايداً في الأسئلة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الثقافة والوعي والإنسان، ليقدم مقاربة فكرية لا تقنية، ويعيد طرح السؤال الوجودي المحوري.
منذ مقدمته، يستذكر المؤلف الافتتاحية التي نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية عام 2020، والتي كتبها برنامج ذكاء اصطناعي، معتبراً إياها لحظة مفصلية فتحت الباب أمام «وعد» بدا بريئاً في حينه، قبل أن يتطور ليصبح منظومة متشعبة تتغلغل في الإعلام والتعليم والفنون. ويرى نعمة أن هذا الوعد، الذي يَعِد بالكمال والسهولة، يخفي في جوهره خطراً يتهدد الإنسان، أفكاره وقدرته على التعبير.
في فصل بعنوان «لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، يستعيد المؤلف حكاية السمكة الذهبية من التراث الألماني الأسطوري، محذراً من رغبة الإنسان في الحصول على كل شيء بلا جهد. ويقارن بين زوجة الصياد التي طلبت أن تصبح بابا ثم آلهة، وبين الإنسان المعاصر الذي يطلب من الذكاء الاصطناعي تحقيق كل رغباته. ويرى نعمة أن التقنية حين تلبي الرغبة فوراً، فإنها تنزع عنها معناها، وتحوّل الإنسان إلى مستهلك للرغبات لا صانعاً لها.
وفي عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، يقدم كرم نعمة نقداً حاداً لآليات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على أعمال الكتّاب والفنانين دون إذن أو مقابل. يستعرض تجربة صحيفة فايننشيال تايمز مع الروبوتات، ثم ينتقل إلى احتجاجات الروائية البريطانية كيت موس وجمعية المؤلفين البريطانيين، ليخلص إلى أن الشركات التكنولوجية تبني نماذجها على نتاج المبدعين، بينما تهدد في الوقت نفسه بإلغاء المبدع. ويعتبر أن الخطر الحقيقي لا يكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على الكتابة، بل في قدرته على تحويل الإبداع إلى مادة خام مجانية.
أما في عرض «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيطرح المؤلف سؤال التفكير: هل يمكن للآلة أن تفكر؟ يستعرض آراء علماء مثل يوشوا بينجيو، ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة، لكنه ما زال عاجزاً عن التفكير بالمعنى الإنساني. ويستعيد تجارب شخصية مع «شات جي بي تي» حين قدم إجابات مضحكة أو خاطئة، ليؤكد أن الخطر لا يكمن في غباء الآلة، بل في قدرتها على الإقناع. فالذكاء الاصطناعي لا يفكر، لكنه يتعلم ويخدع ويُقنع، وهذا ما يجعل الخطر مضاعفاً.
يذهب الكتاب أبعد من النقاش التقني، ليقدم قراءة في أثر الذكاء الاصطناعي على المخيال الجمعي. يستشهد المؤلف بآراء نعوم تشومسكي حول «الوعد الزائف»، وبمخاوف الروائية نيكول كراوس من أن تحل الخوارزميات محل حرية الذات. ويرى أن الذكاء الاصطناعي يشبه «الشنتو» في الثقافة اليابانية، أي تلك الديانة التي لا تضع حدوداً صارمة بين الحي وغير الحي. ويعتبر أن التقنية الحديثة تتقدم بسرعة مذهلة، لكنها في جوهرها تحمل خطراً يتمثل في تحويل الإنسان إلى تابع للآلة، بدلاً من أن تكون الآلة أداة في خدمة الإنسان.
ومن خلال عناوين مثل «زمن النسيان العام»، و«فاشية رقمية»، و«الخوارزميات تعيد تشكيل ذائقة الجمهور»، يقدم نعمة نقداً ثقافياً لهيمنة الخوارزميات على الذوق العام، ويرى أن الذكاء الاصطناعي لا يغير حياتنا اليومية فقط، بل يعيد تشكيل الوعي ذاته. فالخطر، في رأيه، ليس في أن تكتب الآلة نصاً، بل في أن تغير الطريقة التي نفهم بها النص، والطريقة التي نفهم بها أنفسنا.
تتوقف مقالات الكتاب عند ظاهرة الألحان التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، بوصفها لحظة تكشف حدود التقنية أكثر مما تكشف قدراتها. فالموسيقى التي تولدها الخوارزميات تبدو متقنة من حيث البناء، لكنها تفتقر إلى الشرارة التي تمنح اللحن روحه: التجربة، الألم، والذاكرة. يشير الكاتب إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة الأسلوب، لكنه عاجز عن محاكاة المعنى، لأن الموسيقى ليست معادلة، بل أثراً إنسانياً. وهنا يطرح الكتاب سؤالاً نقدياً: هل يمكن للآلة أن تغني حقاً، أم أنها تنتج صدى بارداً لما صنعه البشر؟ الجواب يميل إلى أن التقنية تُحسن النسخ، لكنها لا تبتكر جوهراً جديداً.
الكتاب، إذن، ليس احتفاءً بالتقنية ولا رفضاً لها، بل محاولة لاستعادة مركزية الإنسان في عالم يتسارع فيه كل شيء. إنه كتاب فكري قبل أن يكون تقنياً، كتاب يسائل القيم والمعنى والخيال، أكثر مما يسائل الخوارزميات. ومن خلال هذا المسار، يصل القارئ إلى السؤال الذي يتركه المؤلف مفتوحاً عمداً: في النهاية هل كان كرم نعمة مرحِّباً بالذكاء الاصطناعي أم محذِّراً منه؟ الإجابة ليست مباشرة، لأن الكتاب نفسه يقوم على مفارقة: المؤلف يعترف بفوائد الذكاء الاصطناعي، ويستخدمه، ويستفيد من قدراته، لكنه في الوقت نفسه يضع إصبعه على الجرح: الخطر ليس في التقنية، بل في الإنسان الذي يطلب منها ما لا يستحق، ويستسلم لوعدها البراق حتى يفقد ذاته. بهذا المعنى، يبدو الكتاب دعوة إلى اليقظة، لا إلى الخوف. إنه يذكر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس قدراً، وأن الإنسان ما زال قادراً على أن يختار، وأن يحافظ على جوهره: التفكير، والكتابة، والرغبة، والمقاومة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة