انهيار الليرة السورية: خبير يكشف الأسباب العميقة وسبل استعادة الثقة


هذا الخبر بعنوان "الحل ليس صعبا ً .. كيف نعيد بناء الثقة بالعملة السورية؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت الليرة السورية انخفاضاً ملحوظاً انعكس سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما يُعد نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من التراجع الاقتصادي. وفقاً للخبير الاختصاصي في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر، مهند الزنبركجي، فإن تدهور قيمة الليرة ليس مرتبطاً بحدث واحد أو حرب بعينها، بل هو مسار طويل من التآكل الاقتصادي الذي بدأ قبل سنوات وتفاقم بشكل حاد مع الحرب الدائرة لمدة 14 عاماً، ووصل ذروته في ظل ضعف الإدارة الاقتصادية الحالية في بعض المفاصل، بالإضافة إلى عوامل داخلية وخارجية متشابكة.
يؤكد الخبير المصرفي زنبركجي أن العملة في جوهرها تعكس قوة الاقتصاد وثقة الناس به. عندما يضعف الإنتاج وتضطرب المؤسسات وتُفقد الثقة، تبدأ العملة بالانحدار. في الحالة السورية، تضرر الاقتصاد بشكل كبير، وهو الذي كان يعتمد على الزراعة والصناعة والخدمات. فقد جزءاً كبيراً من قدرته بسبب الدمار، وخروج مناطق واسعة من السيطرة الاقتصادية المتماسكة، وهجرة اليد العاملة ورؤوس الأموال. هذا التراجع جعل السوق يعتمد بشكل أكبر على الاستيراد لتأمين الاحتياجات الأساسية، والاستيراد يتطلب عملة صعبة، مما خلق طلباً دائماً ومتزايداً على الدولار مقابل عرض محدود جداً منه. هنا بدأت الليرة بفقدان قيمتها تدريجياً، لأن الطلب عليها أقل بكثير من الطلب على العملات الأجنبية.
بالتوازي مع ذلك، أشار الزنبركجي إلى أنه لم يعد هناك تدفق طبيعي للدولار كما في الاقتصادات المستقرة، حيث ضعفت الصادرات، وأصبحت السياحة شبه غائبة، كما توقفت الاستثمارات الخارجية، وأصبحت التحويلات المالية أكثر تعقيداً.
أمام هذا المشهد وفي ظل تراجع الموارد، تلجأ الحكومات عادة إلى زيادة الكتلة النقدية لتغطية النفقات، أي طباعة المزيد من العملة. لكن عندما لا يقابل هذه الزيادة إنتاج حقيقي، تتحول مباشرة إلى تضخم؛ ترتفع الأسعار لأن كمية المال زادت دون زيادة في السلع. مع الوقت، يفقد الناس الثقة بالعملة نفسها، فيسارعون إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو الذهب أو أي أصل أكثر استقراراً، لأن الخوف من انخفاض العملة يساهم فعلياً في انخفاضها.
لم يغفل الخبير المصرفي العامل النفسي الذي لا يقل أهمية عن العوامل الاقتصادية، حيث إن الثقة هي العمود الخفي لأي نظام نقدي. عندما يشعر المواطن أو التاجر أن الليرة ستفقد قيمتها، فإنه يتصرف على هذا الأساس: يرفع الأسعار، يخزن البضائع، أو يتعامل بالدولار. وهكذا تتحول التوقعات إلى واقع، حيث تؤدي السياسات غير الواضحة إلى زيادة حالة عدم اليقين وتفتح المجال أمام المضاربة والسوق السوداء لتحديد السعر الفعلي بدلاً من المؤسسات الرسمية.
حتى العوامل الإقليمية لعبت دوراً مهماً، حيث لم يكن الاقتصاد السوري معزولاً عن محيطه. عندما انهارت أنظمة مالية قريبة مثل لبنان، فقد السوريون قناة مهمة للوصول إلى الدولار، سواء عبر البنوك أو التحويلات. لذلك، حتى لو توقفت بعض الحروب في المنطقة، فإن آثارها الاقتصادية تستمر، لأن شبكات التمويل والتجارة تحتاج وقتاً طويلاً لإعادة بنائها.
النتيجة النهائية لكل ذلك لا تظهر في المؤشرات الاقتصادية فقط، بل في مستوى معيشة المواطن الذي لا يدفع فقط ثمن السياسات، بل يدفع أيضاً ثمن غياب الاستقرار وثمن الزمن الذي يحتاجه الاقتصاد ليتعافى.
المشكلة مركبة والحلول ليست سريعة ولا سهلة، لأن المشكلة عميقة ومركبة. تحسين قيمة العملة يتطلب إعادة بناء الثقة أولاً، وهذه الثقة لا تأتي بقرار، بل بسلسلة من الإجراءات أهمها:
بدون ذلك، تبقى أي محاولات لضبط سعر الصرف مؤقتة وهشة. وفق رؤية الخبير زنبركجي، أمام هذا الواقع، حل المشكلة ليس صعباً إن تم الاعتماد على خبراء اقتصاديين لهم باع طويل وعملي في العمل ضمن أزمات، وتفويضهم لتنفيذ مشروع الإنقاذ.
إن الليرة ليست مجرد ورقة نقدية، وبالتالي إعادة قوتها لا يعني فقط تحسين سعر الصرف، بل يعني إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وبين الاقتصاد والعالم. هذه العملية بطيئة ومكلفة، لكنها الطريق الوحيد الذي يمكن أن يخفف العبء الحقيقي عن المواطن، الذي كان ولا يزال الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد