الكرافة: رابطة اجتماعية تتجاوز النسب وتعزز التعايش في الجزيرة السورية


هذا الخبر بعنوان "“الكرافة”.. مفهوم مختلف للتآخي في الجزيرة السورية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ "الكرافة"، المعروفة أيضًا بـ "الكريفاتي"، إحدى الظواهر الاجتماعية العميقة الجذور في منطقة الجزيرة السورية. على مرّ عقود طويلة، تطورت هذه العادة من مجرد طقس مصاحب لختان الذكور لتصبح منظومة علاقات اجتماعية متكاملة، تضاهي في متانتها روابط النسب، بل وتفوقها أحيانًا في مستوى الالتزام الأخلاقي والواجبات المتبادلة. تمثل "الكرافة" نموذجًا فريدًا للتعايش السلمي بين مختلف مكونات المنطقة، من عرب وكرد وسريان وإيزيديين، في بيئة لطالما اشتهرت بتنوعها الديني والقومي.
تبدأ علاقة "الكرافة" عندما تختار العائلة "كريفًا" لطفلها، وهو شخص يُنتقى بعناية فائقة، وغالبًا ما يكون من خارج العائلة أو حتى من مكون اجتماعي مختلف. يهدف هذا الاختيار إلى توسيع شبكة العلاقات الاجتماعية وتقوية الروابط بين المجتمعات المحلية. خلال مراسم الختان، يُوضع الطفل في حضن "الكريف"، وتسقط قطرات من دم الطفل على منديل أبيض يُحضره "الكريف"، في إشارة رمزية إلى تأسيس "أخوة دم" بين الطرفين. لا تقتصر هذه العلاقة على الطقس فحسب، بل تمتد لتشمل التزامات طويلة الأمد، حيث تُعامل عائلة "الكريف" كجزء لا يتجزأ من العائلة الأصلية، وتُفرض على الطرفين واجبات اجتماعية متبادلة، تتضمن المشاركة في الأفراح والأتراح، وتقديم الدعم في شتى الظروف.
أوضح الباحث الاجتماعي أحمد السالم أن "الكرافة" تُصنف ضمن العادات ذات الجذور العميقة في المجتمع الإيزيدي، حيث كانت تُستخدم كأداة لنسج الروابط مع المجتمعات الأخرى، خصوصًا في البيئات التي تتميز بالتنوع الديني والقومي. وأشار السالم إلى أن الروايات الشفوية تدل على انتقال هذه العادة تدريجيًا إلى المجتمعات العربية والكردية والسريانية في الجزيرة السورية، لتصبح جزءًا أصيلًا من الثقافة المحلية، مع احتفاظها ببعض الرموز والطقوس المميزة لكل مكون. ووفقًا للباحث الاجتماعي، لعبت "الكرافة" دورًا حيويًا في التخفيف من حدة النزاعات، من خلال إقامة نوع من التحالف الاجتماعي غير الرسمي الذي يُلزم الأطراف بالدفاع عن بعضهم البعض، مما يعزز الاستقرار المجتمعي.
في السابق، كانت مراسم "الكرافة" تُقام ضمن احتفالات كبرى تمتد لعدة أيام، تتخللها الدبكات الشعبية على أنغام "الزرناية" و"الطبلة"، بالإضافة إلى تقديم الولائم والهدايا. وكان "الكريف" يحضر بصحبة عائلته، حاملًا الهدايا والملابس للطفل، ويتكفل بتغطية نفقات الختان. ومع مرور الزمن، شهدت هذه الطقوس تراجعًا ملحوظًا، لا سيما مع شيوع إجراء الختان في العيادات الطبية وتغير أنماط الحياة. ومع ذلك، لم تختفِ العلاقة بحد ذاتها، بل استمرت في أشكال أكثر بساطة، محافظة على جوهرها دون التمسك بكافة تفاصيلها التقليدية.
أكد محمد العلي، وهو رجل مسلم من ريف الحسكة، أن "الكرافة" تتجاوز كونها مجرد عادة قديمة، فهي "جزء لا يتجزأ من هويتنا الاجتماعية". وأضاف: "عندما أكون كريفًا لطفل، فهذا يعني أنني أصبحت مسؤولًا عن هذه العائلة، وأشاركها كل تفاصيل حياتها". وتابع العلي أن "هذه العلاقة تُبنى على الثقة والاحترام، وهي أقوى من العديد من العلاقات الأخرى، لأنها تقوم على التزام حقيقي بين الطرفين". من جانبه، اعتبر جبرائيل حنا، وهو رجل سرياني من مدينة الحسكة، أن "الكرافة" تُعد من أبرز مظاهر التعايش في الجزيرة، مشيرًا إلى أن "مجتمعنا متنوع، وقد ساعدت هذه العادة على مد الجسور بين الناس، وجعلتهم يشعرون بأنهم عائلة واحدة". وأردف حنا قائلًا: "الكريف بالنسبة لي ليس مجرد صديق، بل هو أخ، نعيش معًا كل المناسبات، ونتقاسم الأفراح والأحزان".
في ريف الحسكة الشمالي، سرد خضر خليل، وهو رجل إيزيدي، تجربته مع "الكرافة" قائلًا: "عندما قررنا ختان أبنائنا، اخترنا كرفاء من جيراننا المسلمين، لأننا نثق بهم ونعتبرهم جزءًا من حياتنا". وأضاف: "الكرافة بالنسبة لنا ليست مجرد طقس، بل هي رسالة تؤكد قدرتنا على العيش المشترك رغم اختلافاتنا". وبالمثل، أكد أحمد المحمد، وهو رجل مسلم من المنطقة ذاتها، أن "دور الكريف يُعد شرفًا عظيمًا". وأردف: "عندما طُلب مني أن أكون كريفًا، شعرت بمسؤولية كبيرة، لأن هذه العلاقة تعني أنني أصبحت جزءًا من العائلة". وتابع المحمد: "ورثت هذا التقليد عن والدي، وسأحرص على نقله إلى أبنائي، لأنه يعكس القيم التي نؤمن بها".
تضطلع النساء بدور جوهري في ضمان استمرارية "الكرافة"، وهو ما أكدته ميديا علي، وهي امرأة كردية من ريف عامودا، بقولها: "النساء هنّ من يُحافظن على هذه العلاقة عبر التواصل المستمر بين العائلتين". وأضافت: "نحن نتبادل الزيارات والهدايا، ونشارك في المناسبات، ونحرص على غرس أهمية هذه العلاقة في أطفالنا، لأنها جزء لا يتجزأ من ثقافتنا".
أفاد الباحث أحمد السالم بأن "الكرافة" تحمل أبعادًا دينية واجتماعية في آن واحد، موضحًا أنه "في بعض المعتقدات الإيزيدية، تُعد هذه العلاقة سببًا في تحريم الزواج بين العائلتين لعدة أجيال، نظرًا لأنها تُنشئ نوعًا من القرابة الرمزية". وأضاف أن هذا البعد يمنح "الكرافة" قوة إضافية، إذ لا تقتصر على الجانب الاجتماعي فحسب، بل تمتد لتشمل القيم الدينية والأخلاقية. ويرى السالم أن "الكرافة" ساهمت بشكل كبير في تعزيز التماسك الاجتماعي في الجزيرة السورية، مشيرًا إلى أنها أوجدت شبكة من العلاقات المتداخلة بين العائلات، مما أسهم في تقليل النزاعات وتوطيد روح التعاون. وتابع أن هذه العادات في المجتمعات التقليدية تُعد أدوات فعالة لتنظيم العلاقات الاجتماعية، خصوصًا في ظل غياب مؤسسات رسمية قوية.
على الرغم من تراجع بعض مظاهر "الكرافة"، أكد الباحث أحمد السالم أنها لم تتلاشَ، بل أعادت تشكيل نفسها لتتلاءم مع الظروف الراهنة. وأضاف: "اليوم، قد لا نشهد الاحتفالات الكبيرة كما في السابق، لكن العلاقة بين العائلات ما زالت قائمة". ويرى السالم أن هذا يؤكد أن "الكرافة" ليست مجرد طقس، بل هي قيمة اجتماعية قادرة على التكيف مع متغيرات الزمن. تعكس "الكرافة" جوهر الجزيرة السورية القائم على التعددية والتعايش، وتُظهر كيف يمكن للعادات المحلية أن تسهم في بناء مجتمع متماسك. إنها ليست مجرد تقليد موروث، بل منظومة قيم تجسد الاحترام والتضامن والتكافل. واختتم الباحث أحمد السالم حديثه بالقول: "الكرافة تُثبت أن المجتمعات قادرة على ابتكار حلولها الخاصة لتعزيز التعايش، وهي تجربة جديرة بالدراسة، لأنها تقدم نموذجًا عمليًا للتعايش الحقيقي". بين الماضي والحاضر، تظل "الكرافة" شاهدًا حيًا على قدرة أبناء الجزيرة السورية على صون روابطهم الإنسانية، رغم كافة التحديات، وتؤكد أن "أخوة الدم" ليست مجرد تعبير رمزي، بل حقيقة اجتماعية عاشتها الأجيال وما زالت تحافظ عليها حتى اليوم.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي