دمشق تستقبل نواف سلام: مباحثات مكثفة لترسيخ "مرحلة جديدة" في العلاقات السورية اللبنانية


هذا الخبر بعنوان "نواف سلام في دمشق: زيارة سياسية بأبعاد أمنية واقتصادية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت العاصمة السورية دمشق، اليوم السبت، زيارة رسمية لرئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع. تأتي هذه الزيارة في إطار مسار متواصل من المشاورات الثنائية بين البلدين، التي بدأت منذ التحولات السياسية التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024.
ضم الوفد اللبناني نائب رئيس الحكومة طارق متري وعدداً من الوزراء، وركزت الزيارة على ملفات التعاون الأمني والاقتصادي والتجاري. كما تناولت القضايا العالقة بين بيروت ودمشق، وفي مقدمتها ضبط الحدود، وملف النازحين السوريين، والاتفاقيات الثنائية بين البلدين.
عقب اللقاء، أكد سلام أن زيارته تهدف إلى “العمل على تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف الأصعدة”، مشيراً إلى أن نتائجها “ستظهر قريباً”. وتعد هذه الإشارة دليلاً على وجود تفاهمات عملية يجري العمل على ترجمتها خلال المرحلة المقبلة.
تأتي الزيارة في ظل تطورات إقليمية متسارعة، أبرزها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان، والتغيرات السياسية والأمنية التي تدفع البلدين نحو رفع مستوى التنسيق والتواصل. ينسجم هذا مع ما تصفه الحكومتان بـ”مرحلة جديدة” في العلاقات الثنائية، تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
حضر الملف الأمني بقوة في المحادثات السورية – اللبنانية، خاصة ما يتعلق بضبط الحدود المشتركة ومنع عمليات التهريب، في ظل تعقيدات أمنية متراكمة على امتداد الشريط الحدودي بين البلدين. وأفاد سلام بأن الجانبين أكدا ضرورة “تشديد ضبط الحدود ومنع التهريب”، مشدداً على استمرار التنسيق الأمني بين دمشق وبيروت، وهو مسار كان قد بدأ بشكل عملي خلال زيارته الأولى إلى دمشق في نيسان الماضي.
كما ناقش الجانبان ملف ترسيم الحدود والمعابر، إلى جانب القضايا القضائية العالقة، في محاولة لمعالجة ملفات لطالما شكلت مصدر توتر بين البلدين خلال العقود الماضية. وتبرز أهمية هذا التنسيق بالنسبة للبنان في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالأمن الداخلي، وحرص الحكومة اللبنانية على تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة واحتكارها لقرار الحرب والسلم، خصوصاً مع استمرار التوترات على الحدود الجنوبية مع إسرائيل.
شكّل ملف النازحين السوريين محوراً رئيسياً في المباحثات، حيث أكد سلام اتفاق الجانبين على استمرار التعاون لتسهيل عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، ضمن خطة لبنانية تقول الحكومة إنها تسعى لأن تكون “واضحة ومنظمة”. وتعتبر بيروت أن هذا الملف يشكل أولوية داخلية ضاغطة، في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها لبنان، وما يرافقها من مطالب سياسية وشعبية بإيجاد حلول عملية ومستدامة لهذا الملف.
كما بحث الجانبان متابعة تنفيذ اتفاق نقل السجناء الموقع في بيروت خلال شباط الماضي، والذي ينص على نقل المحكومين إلى بلدانهم الأصلية لقضاء محكومياتهم. وقد شمل هذا الاتفاق أكثر من 300 سجين ومحكوم سوري داخل السجون اللبنانية. ويُنظر إلى الاتفاق باعتباره إحدى الخطوات العملية التي عكست وجود إرادة سياسية جديدة لدى الطرفين لإعادة تنظيم العلاقات الثنائية على أسس مؤسساتية وقانونية أكثر وضوحاً.
اقتصادياً، أعلن سلام الاتفاق مع الجانب السوري على إطلاق مجلس الأعمال اللبناني – السوري، على أن يعقد اجتماعه الأول قريباً، في خطوة تهدف إلى تنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. وتسعى الحكومتان إلى إعادة تفعيل التعاون الاقتصادي، خاصة في مجالات النقل والتجارة والطاقة والاستثمار، في ظل إدراك متبادل لحجم الترابط الجغرافي والاقتصادي بين البلدين.
تشير المعطيات السياسية إلى أن بيروت باتت تتعامل مع سوريا باعتبارها عمقاً اقتصادياً وطريقاً برياً أساسياً للبنان نحو العالم العربي، الأمر الذي يفسر الحرص المتزايد على تطوير قنوات التواصل والتنسيق بين الجانبين. كما شددت الحكومة اللبنانية خلال المباحثات على أهمية مراجعة الاتفاقيات الثنائية القائمة بما يحقق مصالح البلدين ويواكب التحولات السياسية الجديدة في المنطقة.
اعتبر الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش أن الزيارة تمثل “محطة مهمة” في تطوير العلاقات اللبنانية – السورية، لافتاً إلى أن البلدين دخلا بالفعل “حقبة جديدة” تختلف عن طبيعة العلاقة التي كانت قائمة في عهد النظام السوري السابق. وأوضح علوش في حديث لمنصة سوريا 24، أن المقاربة السورية الحالية تجاه لبنان تقوم على التنسيق الإقليمي، والمعالجة الصريحة للقضايا الخلافية، إضافة إلى دعم الدولة اللبنانية في ملفات حساسة، بينها حصر السلاح بيد الدولة. وأشار إلى أن العلاقات بين البلدين ما تزال دون المستوى المطلوب رغم الخطوات الإيجابية التي اتخذها الطرفان خلال الأشهر الماضية، معتبراً أن هناك حاجة إلى تطوير التفاهمات الحالية لتصبح أكثر انسجاماً مع التحولات السياسية القائمة في دمشق وبيروت.
بدوره، رأى الصحفي والباحث السياسي صهيب جوهر، أن توقيت الزيارة يحمل دلالات مهمة، خصوصاً مع استمرار التصعيد الإسرائيلي جنوب لبنان والتحديات المرتبطة بالسيادة والأمن. وأكد جوهر في حديث لمنصة سوريا 24، أن المرحلة الحالية تفرض مستوى أعلى من التنسيق اللبناني – السوري، سواء في ملفات أمن الحدود ومنع الفوضى والتهريب، أو في ربط المسارات التفاوضية للبلدين في مواجهة التحولات الإقليمية المتسارعة. وأضاف أن إعادة بناء العلاقة مع دمشق باتت بالنسبة للبنان مسألة واقعية تتجاوز الاعتبارات السياسية التقليدية، نظراً إلى أهمية سوريا كبوابة برية وحيوية اقتصادية للبنان، ما يدفع الطرفين إلى محاولة فتح صفحة جديدة قائمة على المصالح المشتركة والتنسيق المباشر.
وفي ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه البلدين، تبدو زيارة نواف سلام إلى دمشق مؤشراً على انتقال العلاقات السورية ـ اللبنانية إلى مرحلة أكثر براغماتية تقوم على التنسيق المباشر والمصالح المشتركة، وسط رهانات على أن تترجم التفاهمات السياسية الأخيرة إلى خطوات عملية تعالج الملفات العالقة وتؤسس لعلاقة أكثر استقراراً بين الجانبين.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة