دمشق: حكاية المحمل الشامي.. رحلة إيمان وتراث عبر العصور إلى الديار المقدسة


هذا الخبر بعنوان "محمل الحج الشامي.. موكب الشوق من دمشق إلى الرحاب المقدسة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في غابر الأزمان، ومع إشراقة شهر شوال، كانت مدينة دمشق تتزين بالبياض، فاتحةً أبوابها لاستقبال الحجاج القادمين من شتى أصقاع الشرق. كانت أصوات التلبية تصدح في حاراتها العتيقة، وتتراقص الرايات والمشاعل على إيقاع الابتهالات والمدائح النبوية. من قلب الشام، انطلقت رحلة المحمل الشامي المقدسة نحو الديار الحجازية، حاملاً معه عبق الياسمين الدمشقي، وزيوت الشام وعطورها وشموعها، ومحملاً بقلوب تتوق لرؤية الكعبة المشرفة والوقوف على عرفات الله. لم يكن المحمل الشامي مجرد قافلة حج، بل كان ذاكرة روحية وتراثية عظمى، تجسد هيبة الدولة ومحبة الناس للحرمين الشريفين، وتؤكد الارتباط التاريخي للشام بطريق الحج، الذي ظل لقرون أحد أروع مواسم الفرح والرهبة في وجدان السوريين.
تؤكد الباحثة في التراث، الدكتورة نجلاء الخضراء، في تصريح لوكالة سانا، أن دمشق كانت بمثابة بوابة الحجيج إلى الرحاب المقدسة. فقد انطلقت أول قافلة سورية للحج في السنة التاسعة للهجرة، عام 631 ميلادية، خلال خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وضمّت نحو ثلاثمئة حاج، لتؤسس بذلك لرحلة طويلة من التقاليد الروحية والاجتماعية المرتبطة بهذه الشعيرة الدينية. وتوضح الخضراء أن دمشق، بعد انتشار الإسلام، وخاصة في العصر الأموي، غدت مركزاً رئيسياً لتجمع الحجاج القادمين من بلاد فارس وآسيا الوسطى والأناضول والهند وباكستان وبنغلادش وأفغانستان والعراق وبلاد البلقان. كانت المدينة تستقبل آلاف الحجاج قبل أشهر من موعد انطلاق القافلة، حيث ينزل القادمون في زوايا حملت أسماءهم ومواطنهم، مثل "زاوية الهنود" في حي السويقة، و"زاوية السنود"، و"زاوية الموصليين" في الميدان. وفي تلك الأثناء، كانت الأسواق الدمشقية تشهد موسماً استثنائياً يعمه النشاط والبركة، وتتداخل فيه لهجات المسلمين من شتى بقاع العالم الإسلامي. وتضيف الخضراء أن أعداد الحجاج كانت تتراوح بين عشرين ألفاً وأربعين ألف حاج، تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية والكوارث الطبيعية، وكان الناس يعتبرون بلوغ الحج والعودة منه سالمين نعمة عظيمة تستحق الشكر والاحتفال.
تؤكد الدكتورة الخضراء أن المحمل الشامي كان يمثل رمزاً بالغ الهيبة والروحانية. كان عبارة عن هيكل خشبي يعلوه قبة أو هرم، مزين بالحرير المطرز والأقمشة الفاخرة والحلي والنفائس، ويحمله جمل مهيب مزدان بالأشرطة الحريرية والزينة المطرزة. داخل المحمل، كان يوضع مصحف أو مصحفان مغطيان بالحرير، بينما يسير الجمل بخطوات وئيدة، تحيط به أصوات التهليل والتكبير، في مشهد يوحي بأن المدينة بأسرها تودعه بالدعوات والدموع. وتوضح الخضراء أن المحمل لم يكن مجرد وسيلة نقل أو جزءاً من مناسك الحج، بل كان رمزاً دينياً وسياسياً يعكس قوة الدولة الراعية لقافلة الحج ومكانتها في العالم الإسلامي، ولذلك كان إرساله شرفاً عظيماً للحاكم المتولي أمر الحرمين الشريفين. وتشير إلى أن بعض المصادر ترجع بداية محمل الحج إلى سنة 654 هجرية، عندما خرجت شجرة الدر، زوجة السلطان الأيوبي الصالح أيوب، للحج من القاهرة في هودج فاخر، ليتحول ذلك إلى تقليد سنوي اقتدت به سائر الأقاليم الإسلامية. أما فكرة المحمل الشامي، فتعود إلى السلطان الظاهر بيبرس، الذي أرسله لأول مرة عام 1266 ميلادية، وهو أول من حمل لقب "خادم الحرمين الشريفين"، وكان يهدف من خلاله إلى تأكيد رعاية الشام للأماكن المقدسة وارتباطها الروحي بالحجاز.
تصف الخضراء احتفالات دمشق بالمحمل بأنها كانت من أروع المناسبات الشعبية والدينية في المدينة، حيث كانت تبدأ منذ أول أيام عيد الفطر بمراسم "الزيت والشمع". فكانت الفرق العسكرية تصطف أمام الجامع الأموي بزيها الرسمي، مؤديةً التحية لوالي دمشق وكبار رجال الدولة، بينما تُجهز الزيوت والشموع والعطور المخصصة للإرسال إلى الحرمين الشريفين. وفي اليوم الثاني، الذي عُرف بـ "يوم الشمع"، كانت الجمال تحمل الزيت وماء الورد القادم من بساتين المزة، فيما يحمل الرجال الشموع الملفوفة بالشالات الكشميرية في موكب مهيب يتجه نحو منطقة كفرسوسة. أما اليوم الثالث، فكان "يوم السنجق"، والسنجق كلمة فارسية تعني الراية، وهي راية مزخرفة من المخمل النفيس تحمل أسماء الخلفاء الراشدين وبعض الآيات القرآنية، وتخرج من القلعة باحتفال رسمي كبير. وفي اليوم الرابع، ينطلق المحمل الشامي، تتقدمه فرق المنشدين ومشايخ الطرق الصوفية والعلماء والعساكر والفرسان والهجانة، بينما تملأ روائح البخور الطرقات، وتتعالى أصوات المدائح النبوية والتلبية: "لبيك اللهم لبيك… لبيك لا شريك لك لبيك". وتوضح الخضراء أن الموكب كان يجوب أحياء دمشق وسط فرحة عارمة قبل أن يصل إلى حي الميدان، ثم إلى قرية القدم حيث جامع العسالي، وهناك يستقر المحمل أياماً حتى تكتمل استعدادات السفر واجتماع الحجاج.
تشير الخضراء إلى أن رحلة الحج الشامي كانت من أصعب الرحلات وأكثرها مشقة، حيث كانت تستغرق أربعين يوماً من دمشق إلى المدينة المنورة، ثم عشرة أيام إضافية إلى مكة المكرمة، بالإضافة إلى نحو خمسين يوماً في طريق العودة. كان الحجاج يقطعون الصحارى والبراري في ظروف قاسية، ولذلك كانت القافلة تُرافق بمجموعات متخصصة في خدمة الحجيج، منهم السقاة لحمل المياه، والعكّامة أصحاب الجمال والهوادج، والبراكون أصحاب البغال، وحملة المشاعل والخيام. كما كانت الدولة العثمانية تعقد اتفاقات مع القبائل والبدو الذين يمر بهم طريق الحج، لتأمين الحماية للقافلة مقابل الأموال والحبوب والهدايا الفاخرة، وهو ما عُرف باسم "الصرة". وتوضح الخضراء أن قوافل الحج كانت أحياناً تتعرض لهجمات اللصوص وقطاع الطرق، لذلك كان "أمير الحج" يتولى مسؤولية حماية الحجاج وتأمين سلامتهم، وهي مهمة كانت تُعد من أرفع المناصب وأكثرها شرفاً.
تبيّن الخضراء أن فرحة الشاميين لم تكتمل إلا بعودة الحجاج سالمين، حيث كانت دمشق تستعد لاستقبالهم بالأهازيج والزينة، وتُطلق المدافع من قلعة دمشق إعلاناً لوصول القافلة. كان الناس يصطفون على جانبي الطريق من بوابة مصر في منطقة العسالي حتى دار الحكومة، يهللون ويكبرون، بينما تمر القافلة يتقدمها المحمل والسنجق في مشهد تمتزج فيه الدموع بالفرح. ومن الطقوس المحببة، مرور جمل المحمل قرب دار سعد الدين في حي الميدان، حيث يُقدم له اللوز والسكر، ويتسابق الناس لالتقاط ما يسقط من فمه تبركاً بالمحمل الذي يحمل أعظم شعار للمسلمين. واعتاد الشاميون الاحتفال ثلاثة أيام بعودة الحجاج، فتتزين البيوت والأبواب والنوافذ، ويتبادلون "النقوط" والهدايا القادمة من الحجاز، كالمسابح وماء زمزم وسجاجيد الصلاة والمسواك، فيما يُطلق على العائد من الحج لقب "الحجي" بما يحمله من مكانة روحية واجتماعية رفيعة.
توضح الخضراء أن رحلة الحج شهدت تحولاً جذرياً مع تطور وسائل النقل. فمع نهاية العهد العثماني، أطلق السلطان عبد الحميد الثاني مشروع سكة حديد الحجاز، بهدف تسهيل وصول الحجاج، واستغرق تنفيذ الخط ثماني سنوات قبل أن يتعرض للتخريب خلال الحرب العالمية الأولى. وفي سبعينيات القرن الماضي، بدأت الحافلات تُستخدم لنقل الحجاج عبر طرق طويلة وشاقة، ثم انطلقت الرحلات الجوية من دمشق إلى المدينة المنورة في ثمانينيات القرن الماضي، لتختصر رحلة الأشهر الأربعة إلى ساعات قليلة. ورغم تبدل وسائل السفر وتغير الأزمنة، يظل المحمل الشامي حاضراً في ذاكرة السوريين كرحلة إيمان ومحبة وشوق، وواحداً من أجمل المشاهد التراثية التي طبعت تاريخ دمشق، المدينة التي كانت تودّع الحجيج بالدعاء، وتستقبلهم بالدموع والفرح واليقين.
سياسة
ثقافة
ثقافة
سياسة