«الظل الأبيض» لعماد المقداد: صرخة فنية في وجه القمع والاغتراب الإنساني


هذا الخبر بعنوان "لوحة “الظل الأبيض” لعماد المقداد.. وجوه القمع في مرآة التشكيل" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ضمن زاوية «قراءة تشكيلية»، تستكشف سانا الثقافية التجارب الفنية السورية التي تحول اللون والخط والتكوين إلى لغة بصرية عميقة تعبر عن الإنسان وهمومه وأسئلته الوجودية. وفي هذا السياق، تبرز لوحة «الظل الأبيض» للفنان التشكيلي عماد المقداد، كعمل فني ينفتح على عالم مشحون بالقلق والتشظي الإنساني، حيث تتحول الوجوه والخطوط الحادة إلى مرآة صادقة تعكس صراع الإنسان الأبدي مع الخوف والقمع والاغتراب.
لا تكتفي اللوحة بعرض وجوه بشرية ضمن بناء هندسي متشابك، بل تتجاوز ذلك لتحويل هذه الوجوه إلى إشارات بصرية معبرة عن الانكسار الداخلي والصراع الإنساني العميق. تستلهم هذه التجربة روح المدرسة التكعيبية بأسلوب معاصر، يركز على تفكيك الشكل وإعادة بنائه دلالياً ليحمل معاني أعمق.
يتعمد المقداد في لوحته «الظل الأبيض» إلى تفكيك ملامح الوجوه وتحويلها إلى خطوط متكسرة وأشكال حادة، ما يعكس بوضوح حالة التشظي النفسي والاغتراب الإنساني. تتوزع الوجوه داخل التكوين بين شخصيات ذات قسمات حادة توحي بالقوة والسطوة، وأخرى صامتة مكممة الأفواه بخطوط عرضية، في إشارة رمزية واضحة إلى ثنائية القامع والمقموع، وإلى الأثر العميق الذي يتركه الخوف في الوجوه والذاكرة على حد سواء. كما يمنح تكرار الوجوه داخل اللوحة إحساساً بتراكم الألم الإنساني، لتظهر اللوحة وكأنها سجل بصري لحالات القهر والصمت والانكسار المتتالية.
يستخدم الفنان عماد المقداد اللون كأداة تعبيرية موازية للشكل، حيث يهيمن الرمادي الداكن على أجزاء واسعة من اللوحة، حاملاً دلالات الخوف والعزلة والقلق. وفي المقابل، تظهر لمسات من الألوان الصفراء والذهبية والخوخية، التي تمنح العمل توتراً بصرياً يعكس اضطراب الشخصيات وحالتها النفسية المعقدة.
أما عنوان اللوحة «الظل الأبيض» فيحمل مفارقة لافتة، إذ يتحول الظل من مساحة معتمة تقليدية إلى حضور خفي لكنه مهيمن، يتحكم بالمشهد ويعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والإنسان ضمن فضاء بصري يبدو مشحوناً بالصراع والتوتر الدائم.
في تصريح لمراسل سانا، أوضح المقداد قائلاً: «في (الظل الأبيض) لم أرسم وجوهاً بقدر ما وثقت صراع الهوية بين أنظمة القمع التي تكمم الأفواه، وبين إرادة التحرر من مكر الظلم». وأضاف مؤكداً: «الفن بالنسبة لي هو صوت المظلوم وصرخته في وجه السجان، وريشتي لن تكون إلا مرآة تعيد للناس وجوههم الحقيقية المسلوبة». تؤكد «الظل الأبيض» بذلك حضور عماد المقداد كفنان يسعى إلى تحويل اللوحة التشكيلية من مجرد مساحة جمالية صامتة إلى خطاب بصري يحمل أسئلة إنسانية وفكرية عميقة، ويمنح الفن دوراً يتجاوز الزخرفة نحو التعبير والتأمل وكشف الواقع.
في قراءة نقدية للعمل، أشار الناقد عبده الحسين في كتاب «ملامح النسيج التشكيلي»، إلى أن الضوء في اللوحة ينبثق بوصفه «نافذة للشعور بالراحة والابتعاد عن الأنانية والتصنع»، موضحاً أن العنوان يتجاوز البعد البصري نحو دلالات إنسانية ترتبط بالنور الداخلي ومقاومة العتمة النفسية. ولفت الحسين إلى أن تنوع الزوايا والمرايا في الوجوه يعكس صعوبة الوصول إلى الحقيقة الإنسانية الخالصة، ويكشف التباس المشاعر والهويات داخل العمل الفني.
بدوره، رأى الفنان التشكيلي خالد الخالدي في تصريح لـ سانا، أن اللوحة تمثل وثيقة بصرية تدين أنظمة القمع، حيث يتحول الإنسان فيها إلى قناع وظيفي يعيش صراعاً دائماً بين سلطة الظلم وضحايا الصمت. وتحضر في العمل أبعاد تعبيرية وفلسفية متعددة، إذ لا ينقل الفنان الواقع كما هو، بل يعيد صياغته بصرياً للكشف عن العنف النفسي والاجتماعي الكامن خلف الوجوه والخطوط والانكسارات الحادة. كما تتحول تفاصيل العيون والأنوف والشفاه داخل اللوحة إلى إشارات رمزية تعبر عن الخوف والترقب والانكسار، فيما تعزز كثافة التكوين الشعور بالاختناق والضغط النفسي الذي يعيشه الإنسان في عالم مضطرب.
يذكر أن الفنان عماد المقداد، وهو من أبناء مدينة بصرى الشام في محافظة درعا، ولد في دمشق عام 1970، وهو خريج كلية الهندسة الكهربائية بدمشق اختصاص إلكترون.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة