جدل اعتقال معن عبد الحق يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف تحمي سوريا ذاكرتها ورموزها بعد الحرب؟


هذا الخبر بعنوان "قليل من الحزم مع ذاكرتنا ورموزنا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تداول السوريون الأسبوع الماضي خبر اعتقال الممثل السوري معن عبد الحق، المعروف بتأييده الصريح لدكتاتورية الأسد. تباينت ردود الفعل على هذا الاعتقال بشكل واسع، فبينما بارك البعض هذه الخطوة، شكك آخرون فيها، بل وصل الأمر ببعض السوريين، ومنهم معارضون سابقون للأسد، إلى المطالبة بإطلاق سراحه، وكأنه معتقل رأي أو ناشط حقوقي.
تتجاوز أهمية هذا الحدث شخص الممثل لتطرح نقاشًا أعمق حول حدود حرية التعبير في المجتمعات التي تخرج من ويلات الحروب، وقدرة أي دولة ناشئة على صون ذاكرتها الجماعية ورموزها وضحاياها. يكمن التحدي في تحقيق هذا التوازن دون الانزلاق مجددًا إلى عبادة السلطة أو تقديس الحاكم، وفي الوقت ذاته تجنب الوقوع في فوضى التخبط الأخلاقي والفكري.
خلال السنوات الماضية، دافع معن عبد الحق علنًا عن ميليشيات شاركت في الحرب السورية إلى جانب النظام، ومنها “حزب الله” والميليشيات المدعومة من إيران. هذه الجماعات ارتبط اسمها في ذاكرة جزء كبير من السوريين بالمجازر والحصار والقتل الطائفي. ورغم أنه لم يكن الوحيد الذي اتخذ مواقف مماثلة، إلا أن العديد من الفنانين الآخرين اعتذروا لاحقًا عن مواقفهم السابقة، أو برروا تصرفاتهم بالضغط والخوف. في المقابل، ظل عبد الحق مصرًا على تمجيد خطاب العنف ذاته حتى بعد سقوط الأسد.
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لمجتمع خرج من إحدى أعنف الكوارث في تاريخه الحديث أن يتعامل مع تمجيد القتل الجماعي على أنه "مجرد رأي"؟
إن الإشكالية هنا لا تكمن في الرغبة بالانتقام أو إلغاء الاختلاف السياسي، بل في فكرة أعمق بكثير: لا يمكن لأي جماعة بشرية أن تستمر دون حدود رمزية تنظم علاقتها بذاتها، بماضيها، وبضحاياها. فالمواطنون لا يتقاسمون الأرض فحسب، ولا يعيشون ضمن إطار القانون أو الاقتصاد فقط، بل ضمن شبكة متكاملة من الرموز والأدوار والسرديات.
حتى داخل العائلة، نادرًا ما ينادي الطفل والدته باسمها الأول، بل يستخدم غالبًا "أمي" أو "ماما". هذه الكلمات لا تؤدي وظيفة لغوية فحسب، بل تحدد موقعًا نفسيًا ورمزيًا داخل الأسرة. تختلف هذه الأدوار بين الثقافات؛ ففي التركية، على سبيل المثال، توجد ألقاب خاصة للأخ الكبير والأخت الكبيرة، وفي مصر تُستخدم كلمات مثل "أبيه" و"أبلة"، بينما يصر الفرنسيون حتى اليوم داخل مؤسسات الدولة على استخدام صيغة "vous" الرسمية، للحفاظ على المسافة الرمزية بين الشخص والمنصب.
قد تبدو هذه التفاصيل شكلية أو مبالغًا فيها للبعض، لكنها في الواقع جزء أساسي من حماية "الموقع الرمزي" الذي يمكّن الدولة من البقاء كمؤسسة حقيقية، لا مجرد شبكة من العلاقات الشخصية أو العشائرية. تكمن المشكلة في الأنظمة السلطوية التي غالبًا ما تدمر هذه المسافة الرمزية ذاتها، حيث تتحول الدولة إلى شخص، والقانون إلى مزاج، والولاء إلى علاقة شخصية مع الحاكم.
وهنا يواجه المجتمع، بعد سقوط النظام، مهمة بالغة التعقيد: كيف يعيد بناء الرموز دون أن يعيد بناء الأصنام؟ وكيف يحافظ على هيبة الدولة دون العودة إلى عبادة السلطة؟
هذا السؤال لا يقتصر على سوريا وحدها؛ ففي العديد من الدول الأوروبية، توجد قوانين تجرّم إنكار "الهولوكوست". ليس هذا فقط لأنه حدث تاريخي موثق، بل لأن إنكار هذه المجزرة لا يُفهم على أنه مجرد اختلاف في الرأي، بل يُعد اعتداءً جديدًا على الضحايا ومحاولة لمحو معاناتهم من الذاكرة الجماعية. الأمر ذاته يتجلى في المطالبات المتزايدة بالاعتراف بالجرائم الاستعمارية أو بالمجازر الجماعية في مناطق مختلفة من العالم، وذلك لأن المجتمعات تحتاج إلى ترسيخ ذاكرتها لتتمكن من الاستمرار نفسيًا وأخلاقيًا.
فالشعوب، شأنها شأن الأفراد، لا تعيش فقط ضمن حدود جغرافية، بل داخل القصص التي ترويها عن نفسها. لهذا السبب، تمسكت إيران عبر قرون بـ"الشاهنامه" كسردية كبرى عن نشوء الأمة الفارسية. وفي الهند، بقيت "المهابهاراتا" أكثر من مجرد ملحمة دينية أو أدبية، إذ تحولت إلى إطار أخلاقي ورمزي لفهم السلطة والعائلة والحرب والخيانة والواجب. إن الدول لا تُبنى فقط بالمؤسسات والجيوش والاقتصاد، بل أيضًا بالسرديات المشتركة التي تمنح الناس شعورًا بالانتماء إلى قصة واحدة.
لذلك، تبدو المرحلة الانتقالية السورية اليوم بالغة الحساسية. فالمجتمع الخارج من الحرب يحتاج إلى الحرية بلا شك، لكنه يحتاج أيضًا إلى حدود تحميه من إعادة إنتاج العنف ذاته. يجب حماية الضحايا من السخرية بآلامهم، ومن تحويل المجازر إلى مادة للجدل العبثي أو التفاخر السياسي. إن التهاون الكامل مع تمجيد القتل الجماعي لا يؤدي إلى توسيع نطاق الحرية، بل قد يخلق شعورًا جماعيًا بأن الجريمة لا تزال ممكنة، وأن الضحايا ما زالوا بلا حماية.
خاصة وأن بلدنا يشهد حاليًا وجود مسودة دستور تنظم المرحلة الانتقالية، وتتضمن تحريمًا واضحًا لتمجيد الأسد. فهل سنحترم مبادئنا هذه، أم سنعود إلى ما كنا عليه أيام الطاغية، حين تحولت القوانين إلى حبر على ورق وأداة للسخرية؟
تظل المجتمعات حية ما دامت تمتلك سرديات وذاكرة ومحرمات أخلاقية، وتموت حين تفقدها بالكامل، أو حين تتحول هذه السرديات إلى أدوات قمع مغلقة. بين فوضى التخبط والتقديس الأعمى، تسعى سوريا اليوم لإيجاد المسافة الصعبة التي تسمح بقيام دولة حقيقية، لا مجرد سلطة جديدة.
سياسة
علوم وتكنلوجيا
سوريا محلي
سياسة