المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي: إطلاق مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية والتكامل الاقتصادي


هذا الخبر بعنوان "منتدى الاستثمار السوري – الإماراتي.. محطة مفصلية ترسّخ شراكة تتقدم بثبات" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن انعقاد المنتدى الاستثماري السوري – الإماراتي الأول في دمشق مجرد حدث اقتصادي عابر، بل شكل إعلاناً سياسياً واقتصادياً عن دخول العلاقات السورية الإماراتية مرحلة جديدة تتسم بالعمق والتأثير. وتتمحور هذه المرحلة حول الانتقال من مجرد إعادة التواصل إلى بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، ترتكز على الاستثمار والتكامل الاقتصادي وإعادة التموضع الإقليمي.
استضافت دمشق المنتدى على مدى يومين، بحضور الرئيس أحمد الشرع ووفود اقتصادية واستثمارية إماراتية واسعة. وقد حمل المنتدى رسائل تتجاوز لغة الأرقام والعقود، ليعكس تحولاً واضحاً في طبيعة العلاقات بين البلدين، ويؤكد أن سوريا عادت لتشكل مركز جذب اقتصادي عربي، وأن الإمارات اختارت أن تكون من الشركاء العرب الفاعلين في هذه المرحلة المفصلية. وتكتسب أهمية المنتدى بعداً إضافياً كونه يأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل للتحالفات الاقتصادية ومسارات الاستثمار، وسط توجه عربي متزايد نحو الانفتاح على سوريا وتعزيز حضورها في خارطة الاقتصاد الإقليمي، بعد سنوات طويلة من التحديات والحصار والعقوبات.
يعكس تطور العلاقات السورية الإماراتية بعد التحرير مساراً متدرجاً ومدروساً لإعادة بناء الثقة السياسية والاقتصادية بين البلدين. انطلق هذا المسار من إعادة التواصل الدبلوماسي، ليتحول لاحقاً إلى تعاون اقتصادي واستثماري أكثر اتساعاً ووضوحاً. خلال المرحلة الماضية، برزت الإمارات كإحدى الدول العربية التي أبدت انفتاحاً على سوريا، سواء عبر إعادة فتح السفارة في دمشق، أو من خلال تكثيف اللقاءات السياسية والاقتصادية، وصولاً إلى استقبال الوفود الاستثمارية وبحث مشاريع التعاون في قطاعات استراتيجية. وقد جاء المنتدى الاستثماري السوري – الإماراتي كتتويج طبيعي لهذا المسار، ورسالة واضحة بأن العلاقات لم تعد تقتصر على البعد السياسي، بل دخلت مرحلة الشراكة الاقتصادية المنظمة والمؤسساتية.
في هذا السياق، أكد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار أن العلاقات السورية الإماراتية تستند إلى الاحترام المتبادل وروابط عميقة وإيمان مشترك بالتنمية. واعتبر أن زيارة رجال الأعمال الإماراتيين إلى دمشق تتجاوز البعد الاقتصادي إلى معاني الثقة والأخوة والرغبة الصادقة ببناء شراكة حقيقية تخدم مصالح البلدين. وأضاف الشعار أن اللقاءات مع الوفد الإماراتي أظهرت روحاً إيجابية ورغبة صادقة في التعاون، انطلاقاً من قناعة مشتركة بأن المرحلة المقبلة تتطلب شراكات تقوم على التكامل وبناء إنسان منتج ومؤسسات حديثة.
من أبرز ما كشفه المنتدى، أن سوريا تتجه إلى إعادة تعريف مفهوم الاستثمار خلال المرحلة المقبلة، عبر الانتقال من مرحلة البحث عن التمويل فقط، إلى بناء شراكات إنتاجية طويلة الأمد قائمة على تبادل المصالح والخبرات. ويظهر هذا التحول في تركيز الجانب السوري على مفاهيم التنمية المستدامة، ونقل التكنولوجيا، وتطوير التشريعات، وخلق بيئة استثمارية أكثر مرونة وجاذبية.
في هذا الإطار، أوضح وزير الاقتصاد والصناعة أن التفاهمات مع الجانب الإماراتي شملت تفعيل مجلس الأعمال السوري الإماراتي، والتعاون في تطوير القوانين والتشريعات الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي والحوكمة والمدفوعات الرقمية. كما شملت التفاهمات التعاون في التمويل متناهي الصغر لدعم المشاريع الصغيرة وتمكين الشباب والأسر، إضافة إلى التدريب المهني وتطوير مناطق صناعية حديثة، وهي ملفات تعكس توجهاً نحو بناء اقتصاد إنتاجي متكامل، وليس مجرد اقتصاد قائم على إعادة الإعمار التقليدية. وكشف الوزير الشعار عن الاتفاق على تشكيل وفد سوري سيزور الإمارات بهدف عرض خارطة طريق استثمارية واضحة، إضافة إلى بحث التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والسياحة والطيران.
تتجلى ملامح التكامل الاقتصادي بين البلدين في طبيعة القطاعات التي يجري التركيز عليها، والتي تشمل الطاقة والنقل والسياحة والعقارات والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات المالية. ويعكس هذا التنوع وجود رؤية مشتركة تقوم على تحويل العلاقات الاقتصادية إلى شراكة متكاملة قادرة على خلق مصالح متبادلة ومستدامة للطرفين.
وأكد وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي أن العلاقات بين سوريا والإمارات تقوم على روابط تاريخية وإنسانية عميقة، مبيناً أن حجم التجارة بين البلدين بلغ خلال عام 2025 نحو 1.4 مليار دولار، وهو ما وصفه بأنه “قفزة نوعية” تعكس التطور المتسارع في العلاقات الاقتصادية. وأشار الزيودي إلى أن المرحلة الراهنة من تعافي سوريا وعودتها لمسار النمو تفتح آفاقاً واسعة لتوطيد التعاون، ولا سيما في مشاريع إعادة الإعمار وتطوير المدن الصناعية والزراعة والطاقة والنقل وربط سوريا بالأسواق العالمية. ويحمل التوجه الإماراتي هذا أبعاداً تتجاوز الاقتصاد، إذ يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية سوريا الجغرافية والاستراتيجية كبوابة للأسواق الإقليمية، ونقطة وصل بين الخليج وشرق المتوسط وأوروبا.
يحمل المنتدى أيضاً مؤشرات على تحول مهم في طبيعة المشاريع المطروحة داخل سوريا، من خلال التركيز على الاستثمار السيادي طويل الأمد، وليس فقط على المشاريع السريعة أو قصيرة الأجل. وفي هذا السياق، برز الحديث عن الصندوق السيادي السوري للتنمية، بوصفه أداة استراتيجية لتمويل مشاريع مستدامة تخدم الأجيال القادمة، مع التركيز على الحوكمة والشفافية وتعزيز الثقة مع المستثمرين. ويشير هذا التوجه إلى أن سوريا تسعى إلى بناء نموذج اقتصادي جديد يعتمد على استقطاب شراكات قادرة على المساهمة في إعادة بناء البنية الاقتصادية بشكل متكامل، وليس فقط ترميم ما دمرته الحرب.
لا يمكن فصل المنتدى عن سلسلة اللقاءات والزيارات المتبادلة التي شهدتها العلاقات السورية الإماراتية خلال الأشهر الماضية، والتي عكست انتقال التعاون إلى مستوى أكثر عمقاً واستمرارية. فقد شهدت دمشق خلال الفترة الأخيرة زيارات متكررة لوفود اقتصادية واستثمارية إماراتية، جرى خلالها بحث فرص الاستثمار في قطاعات التطوير العقاري والسياحة والخدمات المالية والبنية التحتية. كما عكس استقبال الرئيس أحمد الشرع لوفود اقتصادية إماراتية في قصر الشعب اهتماماً رسمياً واضحاً بتطوير العلاقات مع الإمارات، بوصفها أحد أبرز الشركاء القادرين على الإسهام في إعادة الإعمار وتعزيز بيئة الاستثمار في سوريا. وتكمن أهمية هذه اللقاءات في أنها تنقل العلاقات من مستوى المبادرات الفردية إلى مستوى العمل المؤسساتي المنظم، بما يضمن استمرارية التعاون وتوسعه خلال السنوات المقبلة.
لعل من أبرز ما ميز المنتدى الحضور القوي للقطاع الخاص الإماراتي، في مؤشر واضح على وجود اهتمام حقيقي بالسوق السورية وفرصها الاستثمارية. وأكد رجل الأعمال الإماراتي مؤسس مجموعة إعمار العقارية محمد العبّار أن القطاع السياحي السوري “واعد ويحمل فرص نمو حقيقية”، معتبراً أنه يمكن خلال خمس سنوات رفع عدد السياح الذين يزورون سوريا إلى ثمانية ملايين سائح، بما سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني. وأضاف العبّار أن القطاع العقاري “مهم جداً”، مشيراً إلى العمل على بناء شراكات مع رجال الأعمال السوريين لتنفيذ مشاريع مرتبطة بإعادة الإعمار. بدوره، أكد مدير هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي أن قانون الاستثمار الصادر عام 2025 “يضمن حقوق المستثمرين”، موضحاً أن سوريا لا تبحث عن مستثمر ممول بل عن شريك عمل في بناء الاقتصاد السوري.
شهد المنتدى مشاركة وُصفت بأنها الأكبر لوفد اقتصادي إماراتي خارج الإمارات، وفق ما أكده رجل الأعمال الإماراتي من أصل سوري عبد القادر السنكري، الذي أوضح أن الوفد جاء “بتوجيه من الرئيس محمد بن زايد آل نهيان”. وقال السنكري إن زيارته الأخيرة إلى سوريا كانت قبل 15 عاماً، مضيفاً: “اليوم أزورها مع وفد اقتصادي هو الأكبر في تاريخ الإمارات خارج أراضيها”، معرباً عن شعوره بالحرية والطمأنينة والأمان. وتحمل هذه التصريحات دلالات سياسية واقتصادية مهمة، إذ تعكس مستوى الثقة المتزايد بالاستقرار في سوريا، كما تشير إلى وجود قرار إماراتي واضح بتوسيع الحضور الاقتصادي في السوق السورية خلال المرحلة المقبلة.
لا تقتصر العلاقات السورية الإماراتية على الاقتصاد والسياسة فقط، بل تستند أيضاً إلى شبكة واسعة من الروابط الإنسانية والاجتماعية والثقافية. فالجالية السورية في الإمارات لعبت دوراً مهماً في قطاعات التجارة والاستثمار والتعليم والخدمات، وأسهمت في بناء جسور تواصل مجتمعية واقتصادية بين البلدين. كما أن هذه الروابط شكلت على الدوام قاعدة داعمة لمسارات التقارب الرسمي، وساعدت في تعزيز الثقة وتسهيل الشراكات، وخصوصاً في مرحلة تتطلب إعادة بناء العلاقات على المستويين الاقتصادي والمجتمعي معاً.
يأتي المنتدى في سياق إقليمي أوسع يشهد إعادة صياغة للعلاقات الاقتصادية العربية على أساس المصالح المشتركة والانفتاح والتكامل التنموي. وفي هذا الإطار، تبدو العلاقات السورية الإماراتية مرشحة للدخول في مرحلة أكثر عمقاً وتأثيراً، تقوم على الاستثمار الإنتاجي طويل الأمد، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتوسيع مجالات التعاون الاستراتيجي. ومع اتساع الاهتمام العربي والدولي بالفرص الاستثمارية في سوريا، يبدو المنتدى الاستثماري السوري – الإماراتي بمثابة نقطة انطلاق جديدة لمسار اقتصادي وسياسي قد يجعل من الشراكة بين دمشق وأبوظبي أحد أبرز عناوين المرحلة المقبلة في المنطقة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة