"العصر الذهب" في مهرجان كانّ: ملحمة سينمائية تُعيد إحياء التاريخ وتُسائل مصير الإنسان


هذا الخبر بعنوان "كانّ 79 – “العصر الذهب”: ملحمة عن بشر ابتلعهم التاريخ" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُثير قرار منظّمي مهرجان كانّ السينمائي (12 – 23 أيار/مايو) إدراج فيلم "العصر الذهب" للمخرج الفرنسي بيرينجيه توان ضمن فئة "كلاسيكيات كانّ" استغراب هوفيك حبشيان، خصوصاً وأن هذه الفئة تُخصّص عادةً للأفلام القديمة المرمّمة والوثائقيات المرتبطة بها. يتساءل الكاتب إن كان السبب وراء هذا الإدراج يعود إلى اعتماد الفيلم على كمّ كبير من المواد الأرشيفية رغم حداثة إنتاجه، أم أن هناك رغبة في منحه شرعية مبكرة ضمن تاريخ السينما نفسه، متجاوزاً التبرير التقني.
بغض النظر عن الذريعة، يفرض الفيلم نفسه كعمل "كلاسيكي" سابق لأوانه منذ اللحظة الأولى. لا تُعدّ هذه الملاحظة مبالغة بقدر ما هي اعتراف بحجم الطموح الذي يحرّكه، خاصةً وأننا أمام التجربة الروائية الأولى لمخرجه. يبدو الفيلم وكأنه يدخل مباشرة إلى منطقة الكبار، ويُعدّ عملاً فريداً في هذه الدورة، حيث يشتغل على اللقاء بين الوثيقة والخيال.
في السنوات الأخيرة، تشهد السينما عودة ملحّة إلى التاريخ، وهو ميل يظهر بوضوح في التجربة الأوروبية عموماً، والفرنسية خصوصاً. يظل القرن العشرون، بما يحمله من حروب وانكسارات، وفي مقدمتها الاحتلال النازي لفرنسا، بمثابة الجرح المؤسِّس الذي لا يتوقف عن إعادة إنتاج نفسه في المخيال السينمائي. في هذا السياق، تبدو دورة كانّ الحالية مشغولة بشكل لافت بالتاريخ، كمادة للتفكير في الحاضر.
من بين هذه الأعمال، يبرز "العصر الذهب" الذي يعود بنا إلى بدايات القرن العشرين، ليرافق صعوداً اجتماعياً لابنة لحّام تتحوّل إلى كونتيسة. يجتمع في هذا المسار الفردي بالتاريخي بشكل لا ينفصل. تُعرض هذه السيرة، وإن قُدّمت في قالب تخييلي، كما لو أنها تستند إلى حقيقة ما، أو على الأقل إلى احتمال تاريخي قابل للتصديق. تمتد أحداث الفيلم من باريس ما بين الحربين إلى مناطق بعيدة تصل إلى أدغال البرازيل وجبالها، في رحلة تبدو أقرب إلى حتمية المصير على طريقة "باري ليندون"، ولكن بصيغة أنثوية، حيث تؤدي سهيلة يعقوب دور جانّ لافور.
حتى اسم "دو بارانت" لا يخلو من دلالة، فكنيتها تبدو وكأنها تحتفظ، بشكل مموّه، بظلّ "باري"، في إحالة لا تبدو بريئة، تماماً كما فعل بطل "باري ليندون" حين تبنّى لقب زوجته الأريستوقراطية.
يُفتتح الفيلم، الذي أمضى مخرجه عشر سنوات في إنجازه (بينها تسعة أشهر كاملة خلف طاولة المونتاج)، بما يشبه التحذير الشعري: "الواقع يعبر هذه الصور من دون أن يتعرّف إلى نفسه". هذه الكلمات القليلة تكفي لوضع المتفرج في مناخ العمل منذ اللحظة الأولى. جزء غير يسير من الفيلم لا يكتفي باستلهام الأفكار والمفاهيم، بل يتجاوز ذلك إلى الاشتغال على المادة البصرية نفسها، عبر إدماج صور أرشيفية من مخزون "غومون – باتيه" المصوّرة على شريط خام. تُستخدم هذه المواد كمدخل إلى زمن يُستعاد من سباته ويُبعث من جديد داخل سياق معاصر.
لا ينتج هذا الخيار الجمالي لغة بصرية فريدة فحسب، بل يثير انفعالاً جراء التحديق في وجوه أناس غابوا منذ عقود، بعضهم يبدو وكأنه يحدّق فينا عبر الزمن. تحمل هذه المقاربة في طيّاتها رغبة واضحة في إعادة الاعتبار إلى أشخاص ذلك الزمن، كحيوات مكتملة، بفرحها ومآسيها وخيباتها. ننغمس فعلياً داخل التاريخ نفسه، في أقرب مسافة ممكنة من تجارب البشر في تلك المرحلة، وكأنها دعوة لعدم البقاء في موقع المتفرج، وجرّنا بدلاً من ذلك إلى داخل الزمن ذاته.
تمرّ جانّ لافور (التي تؤدّي دورها الوافدة الجديدة سهيلة يعقوب) والتي ستتحوّل لاحقاً إلى كونتيسة دو بارانت، عبر طبقات التاريخ كما لو أنها تُبتلع، في مسار يفضّل الفيلم أن يكشفه تدريجياً لا دفعة واحدة. من فيضان باريس الكبير إلى سنوات الاحتلال النازي لفرنسا، يتنقّل الفيلم بالبطلة المضادة بين انهيارات الطبيعة وانكسارات السياسة، لنعي كم أن مصيرها الفردي لا ينفصل عن اهتزازات العالم من حولها.
يبني الفيلم إيقاعه على هذا التذبذب الحاد بين القاع والقمّة: لحظات يغوص فيها إلى قسوة حالكة، داخل أحياء فقيرة وبؤر البؤس الاجتماعي الخانق، ثم يرتفع فجأةً إلى فضاءات رحبة توحي بإمكان النجاة، قبل أن يُسارع إلى تقويض هذا الأمل ذاته. الفأل السيئ سيلاحق جانّ باستمرار، ويعيدها كلّ مرة إلى اختبار جديد.
مع ذلك، فإن جانّ ليست شخصية أحادية الاتجاه. فهي تنتقل باستمرار بين موقع الضحية وموقع المستغِلة، بحسب تموضعها داخل الأحداث وشبكة المصالح التي تُحاط بها. لا تتخلّى بسهولة عن مكاسبها، حتى حين يكون الثمن أخلاقياً. تبدو الحياة كأنها تمرّنها على الدروس، لكنها لا تتلقاها كلها في اللحظة الحاسمة. أو ربما تتمّسك بما استطاعت انتزاعه بصعوبة، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين. هكذا، يعيدها الفيلم مراراً إلى حجمها الإنساني المحدود، ويضعها على هامش التاريخ الكبير. فهي ليست بطلة بالمعنى التقليدي، بل شخصية تتشكّل داخل التناقض، وتقاوم السقوط بقدر ما تساهم أحياناً في إعادة إنتاجه.
"في هذه الحكاية، أنتِ لستِ بكثير"، جملة عابرة تقولها والدة زوج جانّ، لكنها تظل عالقة كمفتاح لفهم العمل بأكمله. فهي جملة دلالية تختصر رؤية الفيلم للعلاقة بين الفرد والتاريخ. فمن خلال الفيلم، الذي يتبنّى مقاربة راديكالية للسرد والبناء، ندرك تدريجاً معنى أن تُروى سيرة شخصية داخل لحظة تاريخية مضطربة. إحساس غالباً ما يغيب عن أفلام كثيرة تدّعي الاشتغال على التاريخ، لكنها في الواقع تفصل الشخصيات عنه وتحوّلهم إلى كيانات معلّقة خارج الزمن. هنا، على العكس، تبدو كلّ شخصية في مكانها الحقيقي، وفي حجمها الحقيقي أيضاً. فمهما ارتفعت مكانة البعض أو تضخّمت أدوارهم داخل الحكاية، فإن الزمن يظلّ القوة الكبرى والأكثر قسوة، يعصف بالجميع في النهاية، ويعيدهم إلى ما هم عليه فعلاً: تفاصيل صغيرة داخل سردية تاريخية أوسع، سرعان ما تطويها الذاكرة الجماعية. نحن، بكلّ قصصنا وأفعالنا وإنجازاتنا، لا نخرج عن كوننا عناصر داخل تاريخ أكبر منّا.
من هنا، فإن السياق الذي تجري فيه الأحداث هو البطل الحقيقي للفيلم، بينما تظلّ الشخصيات في حالة شدّ دائم معه: مرة يرفعها، ومرة يبتلعها. جمالياً، تبدو كلّ لقطة كأنها التُقِطت من الزاوية الوحيدة الممكنة لها. يُضاف إلى ذلك عنصر آخر: انكسار الجدار الفاصل بين المتفرج والعالم المصوَّر. فبعض الشخصيات تتوجّه بالنظر والكلام مباشرة إلى الكاميرا، في لحظات يبدو فيها أننا نُستدرَج إلى داخل المشهد. هذا التوجّه البصري يعمل كمحاولة واعية لتوريط المُشاهد في بنية السرد. النظرة نفسها تتحوّل إلى سؤال موجّه إلينا. فنحن نشاهد هذه الأشخاص من مسافة، محمّلين معرفة لاحقة عن مسارات التاريخ وانعطافاته، بينما هم يعيشون داخل زمن لا يعرف نتائجه بعد. إنهم، في جوهرهم، لا يملكون امتياز المعرفة التي نمتلكها نحن كمتفرجين، ولذلك يقفون في قلب العمى التاريخي ذاته.
هكذا يولد فيلم يضع المتفرج في موقع مساءلة. يسأل عن موقعنا من التاريخ والعالم، وعن موقعنا من أنفسنا أيضاً. والأهم من ذلك: ماذا كنّا لنفعل لو كنّا جانّ؟
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة