قرار رسوم الإنفاق الاستهلاكي بسوريا: خبيران يحللان التداعيات القانونية والاقتصادية وارتفاع الأسعار


هذا الخبر بعنوان "رسوم جديدة على الإنفاق الاستهلاكي.. خبيران يحللان آثارها" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة وصفت بـ”غير المسبوقة”، أصدرت وزارة المالية السورية، أواخر نيسان الماضي، قرارًا يقضي بتعديل رسم الإنفاق الاستهلاكي المفروض بموجب المرسوم التشريعي رقم “11” لعام 2015. تضمنت التعديلات زيادات تراوحت بين 5 و20% على الرسوم السابقة المفروضة على بعض المستوردات. ناقشت “عنب بلدي” مع خبيرين متخصصين مدى قانونية هذا القرار الجديد، والآثار المحتملة للزيادات على أسعار السلع والمنتجات، خاصة في ظل التدهور المستمر لقيمة الليرة السورية، التي فقدت أكثر من 6% من قيمتها مؤخرًا، حيث بلغ سعر صرفها 13700 ليرة للدولار الواحد وقت إعداد التقرير.
نصت جميع الدساتير السورية السابقة للإعلان الدستوري السوري لعام 2025 على مادة تحظر على وزارة المالية فرض أي ضريبة أو رسم أو تكليف مالي إلا بنص قانوني صريح. وجاء الإعلان الدستوري لعام 2025 خاليًا من هذا النص، ما يُعد خروجًا عن هذه القاعدة. ومع ذلك، يظل مبدأ عدم شرعية قرار تعديل رسم الإنفاق الاستهلاكي قائمًا، استنادًا إلى استمرار نفاذ القوانين العادية المتوافقة مع المبادئ العامة للقانون، ما لم تُعدل أو تُلغَ بنص صريح.
وفي هذا السياق، فإن القانون المالي الأساسي والقوانين الضريبية السورية التي بقيت سارية المفعول بعد إلغاء دستور 2012، تضمنت نصوصًا تحظر على وزارة المالية السورية فرض أي رسم أو ضريبة أو تكليف مالي إلا بنص قانوني. فالمادة “26” من المرسوم التشريعي “54” لعام 2006 (القانون المالي الأساسي)، ضمن باب الإيرادات العامة، تنص على أن “يتم تحقق وتحصيل الضرائب والرسوم وباقي الإيرادات العامة وفقًا للقوانين والأنظمة الناظمة لشؤونها”، دون الإشارة إلى القرارات الوزارية، ما يؤكد حظر تعديل الرسوم والضرائب بقرار وزاري. ويعزز هذا الموقف قانون ضريبة الدخل رقم “24” لعام 2003 وتعديلاته، الذي يربط أي تكليف ضريبي بأحكام القانون حصرًا، تماشيًا مع القاعدة الفقهية “لا جباية إلا بقانون”.
لم يقتصر القرار على مخالفة النصوص القانونية، بل تضمن مادة تحمل “أثرًا رجعيًا” تسمح لهيئة الضرائب والرسوم باستيفاء رسم الإنفاق الاستهلاكي عن البضائع المستوردة بين 8 من كانون الأول 2024 (يوم التحرير) و30 من أيار الحالي. ونظرًا لأن هذه المستوردات خلال الفترة المحددة قد وصلت إلى المستهلك النهائي أو تم تخزينها، فإن المستوردين هم من سيتحملون قيمة الزيادة في رسم الإنفاق الاستهلاكي.
شملت الزيادات في رسم الإنفاق الاستهلاكي الجديد، الصادر بقرار وزارة المالية، عدة سلع رئيسية:
كما تم تحديد شرائح للمستوردات التي تقل قيمتها عن 600 دولار، بفرض رسم إنفاق عليها يتراوح بين 0 (معفاة) و5%.
أوضح الباحث الاقتصادي في شركة “كرم شعار للاستشارات” ملهم الجزماتي، لـ”عنب بلدي”، أن التأثير الأساسي لرسم الإنفاق الاستهلاكي الجديد سيظهر من خلال رفع تكلفة الاستيراد. وأشار إلى أن هذا الرسم هو ضريبة غير مباشرة، حيث يقع العبء القانوني على المستورد عند التخليص الجمركي، لكن العبء الاقتصادي ينتقل غالبًا إلى المستهلك عبر السعر النهائي. بمعنى آخر، المستهلك لا يدفع الرسم مباشرة للدولة عند الشراء، لكنه يدفع أثره بشكل غير مباشر عندما تدخل هذه التكلفة ضمن سعر السلعة.
وأكد الجزماتي على نقطتين مهمتين:
وتوقع الباحث الاقتصادي السوري أن يكون زمن ظهور الأثر سريعًا نسبيًا، لأن السوق السورية شديدة الحساسية تجاه أي تغيير في الأنظمة أو الرسوم أو تكلفة الاستيراد. فالتاجر قد يسعّر مخزونه الحالي وفق تكلفة الاستبدال المقبلة، لذلك قد يظهر الأثر خلال فترة قصيرة، خصوصًا في السلع سريعة الدوران أو التي يتحكم بها عدد محدود من المستوردين.
أكد الجزماتي أنه لا يمكن الجزم بأن الأسعار سترتفع فقط بنفس نسبة الرسم، إذ إن انتقال الرسم إلى السعر النهائي يختلف بحسب:
فإذا كانت السلعة قليلة البدائل أو السوق محدود المنافسة، فمن المرجح أن تنتقل الزيادة إلى المستهلك بسرعة وبنسبة أعلى. أما إذا كان السوق أكثر تنافسية أو كانت هناك بدائل كثيرة، فقد يمتص التاجر جزءًا من الزيادة من هامش الربح، أو قد تكون الزيادة أقل وضوحًا. ومع ذلك، أشار الجزماتي إلى أن معظم السلع المشمولة بالنسب الأعلى تبدو أقرب إلى السلع الكمالية أو غير الأساسية، مثل العطور ومستحضرات التجميل والمجوهرات والساعات، وهذا قد يخفف نسبيًا من الأثر المباشر على سلة الاستهلاك الأساسية.
يرى مؤيد البني، وهو محلل اقتصادي أول في شركة “كرم شعار للاستشارات”، أن تعديل رسم الإنفاق الاستهلاكي جاء على سلع تعتبر كمالية أو شبه كمالية، ولكن ستكون له آثار سلبية على شرائح في سوريا أكثر هشاشة. وعمليًا، فور تطبيق الرسوم فإنها ستدخل في تكاليف الاستيراد مع بداية الشهر المقبل على المنافذ الحدودية السورية، ويمكن أن يحدث انعكاسها على السلع الاستهلاكية في السوق قبل تطبيق الرسم، نظرًا لتوقع التاجر ارتفاع تكلفة استيراد المنتج، مما يدفعه لرفع السعر مباشرة.
بالنسبة لبعض السلع، يتفق المحلل البني مع الباحث الجزماتي، بأنه يمكن أن يحدث الارتفاع لديها على الأسعار بعد التطبيق وهذا يعتمد على:
وتابع أنه إذا كان هناك عدة تجار يتنافسون على منتج معين، فيمكن للتاجر الذي لديه مخزون طرحه في الأسواق بالسعر السابق، قبل أن يتم الانتقال السعري تدريجيًا إلى تحديد السعر الجديد للمستهلكين.
هناك سلع تم رفع رسم الإنفاق الاستهلاكي عليها بموجب قرار المالية السورية، ولكن الطلب عليها يتصف بكونه بطيئًا أو محدودًا وليس ضخمًا، مثل الرخام و”الغرانيت”. في هذه الحالة، يوضح المحلل البني أنه إذا كان لدى التاجر مخزون ضخم، ولديه تخوف من توجه المستهلك إلى استبدال هذا المنتج كله بمنتج آخر، فإن التاجر هنا سيتجه نحو امتصاص الزيادة السعرية خلال الفترة الأولى، ريثما يُدخل بضاعة جديدة للأسواق، بحيث يرفع الرسوم تدريجيًا على أسعار البضائع التي لديه ويطرحها في الأسواق. وينطبق ذلك أيضًا على المجوهرات وحلي الفضة، بحسب البني.
ولكن هذا الموضوع مختلف بالنسبة للسلع التي تتعلق بنمط أو سلوك اعتيادي في حياة الناس، مثل التبوغ ومشتقاتها، التي يصعب على المستهلك تبديلها أو الاستغناء عنها. ولذلك، فإن أغلبية التجار سيقومون فورًا بنقل جزء ضخم من الرسم إلى المستهلك مباشرة، قبل تطبيق الرسم، وعوامل التنافس تلعب دورًا في الموضوع، ولكن سيكون هناك اتجاه عام لرفع أسعار التبوغ.
وأكد البني أن رفع الرسوم على التبغ لا يخفف كثيرًا من استهلاكه، رغم أن التكلفة تزيد كثيرًا على المستهلك، لأنه مدمن عليه. وسيكون لذلك أثر على المستهلكين لأن أغلبيتهم من الشرائح الأكثر هشاشة، الأمر الذي سيحد من قدرتهم الشرائية للمنتجات الاستهلاكية الأخرى. ووفقًا لما رصدته “عنب بلدي” في الأسواق، سُجل مؤخرًا ارتفاع في أسعار التبوغ ومشتقاتها بنسبة تتراوح ما بين 7 و8.3%، ولا سيما بالنسبة لعلب السجائر المستوردة بشكل نظامي، بينما بدأت المهربة ترتفع تدريجيًا بنسب متفاوتة بين بائعي الجملة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد