ألمانيا: أزمة السيارات تدفع عمالقة الصناعة نحو الإنتاج الدفاعي وسط تحولات جيوسياسية


هذا الخبر بعنوان "مؤشرات وأسباب.. هل تتحول ألمانيا من صناعة السيارات إلى الإنتاج الدفاعي؟" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد صناعة السيارات الألمانية ضغوطاً متزايدة جراء تراجع المبيعات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتصاعد المنافسة العالمية، إضافة إلى تداعيات الحرب في الشرق الأوسط. هذه الظروف دفعت كبرى الشركات الصناعية في ألمانيا إلى إعادة تقييم مستقبل استثماراتها، بالتزامن مع اهتمام أوروبي متزايد بتعزيز القدرات الدفاعية في القارة. في هذا السياق، بدأت تساؤلات تبرز حول إمكانية دخول شركة مرسيدس-بنز مجال الصناعات الدفاعية، خاصة بعد تلميحات الرئيس التنفيذي للمجموعة، أولا كالينيوس، بانفتاح الشركة على المشاركة في مشاريع الدفاع الأوروبية، وهو ما يعكس التحولات الاقتصادية والصناعية الجارية في ألمانيا وأوروبا.
في حوار مع صحيفة “وول ستريت جورنال”، صرح كالينيوس بأن العالم أصبح "أكثر اضطراباً"، مؤكداً الحاجة الأوروبية الواضحة لتطوير قدراتها الدفاعية مستقبلاً. وأضاف: "إذا استطعنا أن نلعب دوراً إيجابياً في هذا المجال فسنكون على أتم الاستعداد لذلك"، وهي تصريحات فسرها مراقبون كإشارة إلى انفتاح مبدئي لـ مرسيدس-بنز على الانخراط في مشاريع الصناعات العسكرية أو الدفاعية. ومع ذلك، أوضح كالينيوس أن أي نشاط دفاعي محتمل سيكون محدوداً وتكميلياً مقارنة بالنشاط الأساسي للمجموعة في صناعة السيارات، مشدداً على أن الشركة لا تملك حالياً خططاً محددة في هذا الصدد.
لا تقتصر دراسة هذا التحول على مرسيدس-بنز، فشركة “فولكس فاغن” أيضاً تبحث إمكانية دخول قطاع الدفاع. وكان الرئيس التنفيذي للمجموعة، أوليفر بلوم، قد أعلن هذا العام عن نيته اتخاذ قرار بشأن إنتاج مركبات نقل عسكرية في مصنع فولكس فاجن بـ أوسنابروك مستقبلاً. وفي الوقت ذاته، أكد بلوم مؤخراً أن “فولكس فاجن” لن تُنتج أسلحة أو دبابات، موضحاً أن الشركة لا تنوي الانخراط في تصنيع الأسلحة أو الدبابات، في محاولة للفصل بين الصناعات العسكرية اللوجستية والصناعات القتالية الثقيلة.
في المقابل، تبدو شركات الصناعات الدفاعية أكثر استعداداً للاستفادة من الأزمة التي تضرب قطاع السيارات الألماني. فشركة “راينميتال” للصناعات الدفاعية تدرس حالياً تحويل بعض مواقعها المخصصة لتوريد قطع غيار السيارات في مدينتي نويس و برلين إلى منشآت لإنتاج المعدات الدفاعية. كما تبحث الشركة إمكانية الاستحواذ على مصانع كاملة من قطاع السيارات المتعثر، ومن أبرزها مصنع فولكسفاغن في أوسنابروك، الذي لا يزال مستقبله غير محسوم. ومع ذلك، أبدى الرئيس التنفيذي للشركة، أرمين بابيرغر، حذراً تجاه هذه الخطط، مشيراً إلى أن تحويل مصانع السيارات إلى منشآت دفاعية سيكون مكلفاً ومعقداً، رغم أنه قد يكون أقل تكلفة من بناء مصانع جديدة بالكامل.
بالتوازي مع ذلك، بدأت شركات دفاعية أخرى في استقطاب فائض العمالة والخبرات التقنية من قطاع السيارات. فقد أعلنت شركة هينسولدت، المتخصصة في صناعات الطيران والإلكترونيات الدفاعية، عن توظيف كوادر ماهرة قادمة من شركات كبرى مثل كونتيننتال و بوش. وعلق الرئيس التنفيذي للشركة، أوليفر دوري، قائلاً: "نحن نستفيد من الصعوبات التي تواجهها صناعة السيارات"، في إشارة واضحة إلى انتقال الخبرات الصناعية من قطاع السيارات إلى الصناعات الدفاعية.
تعاني صناعة السيارات الألمانية منذ سنوات من تحديات متراكمة، تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، وضعف الطلب داخل أوروبا، وتزايد المنافسة مع الشركات الصينية، بالإضافة إلى التحولات نحو السيارات الكهربائية، والمخاوف المستمرة من الرسوم الجمركية الأمريكية. في شباط الماضي، أعلنت شركة مرسيدس عن انخفاض أرباحها بنحو 49 بالمئة، من 10.4 مليارات يورو إلى 5.3 مليارات يورو خلال عام 2025، وتراجعت إيراداتها بنسبة 9 بالمئة. وباستثناء شركة “بي إم دبليو”، أعلنت معظم شركات السيارات الألمانية الكبرى عن خطط لتقليص الوظائف وتسريح العمال في مواقعها المحلية.
على النقيض، تشهد الصناعات الدفاعية العالمية نمواً متسارعاً، حيث أفاد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري” بأن أكبر مئة شركة أسلحة في العالم سجلت مبيعات قياسية خلال عام 2024. ومع ذلك، يرى خبراء اقتصاديون أن قطاع الصناعات الدفاعية لا يزال غير قادر على تعويض الحجم الهائل لصناعة السيارات الألمانية، التي تجاوزت مبيعاتها 540 مليار يورو خلال عام 2024، مقارنة بنحو 30 مليار يورو فقط حققتها أكبر خمس شركات دفاع ألمانية مجتمعة في عام 2023. ويرى مراقبون أن تزايد الحديث عن دخول شركات السيارات الأوروبية إلى قطاع الصناعات الدفاعية يعكس التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، في ظل تصاعد التوترات الدولية وارتفاع الإنفاق العسكري الأوروبي. وتكشف هذه التحولات أيضاً عن سعي ألمانيا لإعادة توظيف قدراتها الصناعية والتكنولوجية الضخمة بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل إحدى أهم الصناعات التي شكلت العمود الفقري للاقتصاد الألماني لعقود طويلة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد