اليورو الرقمي: طموح أوروبي لتعزيز السيادة النقدية يواجه تحفظات البنوك ومخاوف الأمن السيبراني


هذا الخبر بعنوان "مشروع اليورو الرقمي يواجه اعتراضات البنوك وتحديات الأمن السيبراني" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تسعى أوروبا جاهدة لإعادة هيكلة منظومة المدفوعات الرقمية لديها، بهدف تقليص الاعتماد على شركات الدفع الأمريكية الكبرى مثل "فيزا" و"ماستركارد". يأتي هذا المسعى ضمن توجه أوسع لترسيخ "السيادة النقدية الرقمية" للقارة، إلا أنه يواجه خلافات متزايدة بين البنك المركزي الأوروبي والقطاع المصرفي الخاص، مما يعيق تسريع هذه المبادرات.
تكتسب هذه التحركات أهميتها في سياق التحول الكبير نحو المدفوعات غير النقدية الذي تسارع منذ جائحة كورونا، وهو ما عزز هيمنة الشركات الأمريكية التي تتولى معالجة ما يقرب من ثلثي عمليات الدفع بالبطاقات داخل الاتحاد الأوروبي. كما شهدت هذه الفترة توسعاً ملحوظاً لشركات التكنولوجيا المالية مثل "باي بال" و"أبل باي".
السيادة الرقمية: أولوية أوروبية قصوى
وفقاً لتقرير صادر عن شبكة "سي إن إن" اليوم الجمعة، يضع صانعو السياسات الأوروبيون "السيادة في أنظمة الدفع" على رأس أولوياتهم الاستراتيجية. يأتي هذا التوجه مدفوعاً بمخاوف من إمكانية استخدام أنظمة الدفع كأداة ضغط في ظل نظام عالمي متغير، بالإضافة إلى التحديات التي تفرضها الأشكال الجديدة من النقود على الدور التقليدي لليورو.
في هذا الإطار، يعمل البنك المركزي الأوروبي على إطلاق مشروع "اليورو الرقمي" بحلول عام 2029. يُعرف هذا المشروع بأنه محفظة إلكترونية مضمونة من البنك المركزي، وتتولى إدارتها شركات خاصة، بما في ذلك البنوك التجارية.
تحفظات البنوك ومخاوف تراجع الودائع
تبدي البنوك الأوروبية تحفظات واضحة تجاه مشروع اليورو الرقمي، حيث تخشى أن يؤدي إطلاقه إلى تحويل جزء كبير من ودائع العملاء إلى محافظ مضمونة من البنك المركزي. هذا التحول قد يهدد بتقويض دورها التقليدي ومكانتها في النظام المالي.
في المقابل، يواصل القطاع المصرفي ممارسة الضغط لتعديل التصميم التشريعي للمشروع. في الأثناء، لا تزال مناقشات البرلمان الأوروبي حول هذا الشأن متأخرة، حيث لم تحرز تقدماً يذكر منذ ما يقرب من ثلاث سنوات.
خلافات حول الرسوم وتوزيع العوائد
وفقاً لمقترحات البنك المركزي الأوروبي، ستُتاح البنية التحتية لليورو الرقمي مجاناً، مع تحديد سقف لرسوم التجار عند استخدامه.
إلا أن التقديرات تشير إلى أن هذا السقف قد يتسبب في خسائر تتراوح بين 8 و9 مليارات يورو سنوياً في إيرادات نظام المدفوعات التقليدي، مما يفاقم من حدة الاعتراضات داخل القطاع المصرفي.
يقترح المحللون أن أحد الحلول الممكنة يتمثل في خفض رسوم التبادل بين البنوك لتعويض جزء من هذا الأثر. في المقابل، تؤكد المؤسسات المالية أن تصميم النظام الحالي يفتقر إلى الوضوح الكافي فيما يتعلق بتوزيع العوائد ضمن سلسلة القيمة.
وفي هذا السياق، صرح كونا جانهجي، رئيس المدفوعات في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا لدى "بوسطن كونسلتينغ غروب"، وهي شركة استشارات إدارية عالمية مقرها الولايات المتحدة، بأن "اليورو الرقمي لا يزال يتطلب معالجة قضايا القبول التجاري وآلية عمل سلسلة القيمة بشكل فعال".
تحديات الأمن السيبراني
تعمل أنظمة دفع وطنية مثل "بانكومات" في إيطاليا و"بيزوم" في إسبانيا على تعزيز الربط بين شبكاتها الحالية، بالتزامن مع التوسع في تقديم خدمات الدفع الفوري المباشر للتجار.
لكن مسؤولين في البنك المركزي الأوروبي يحذرون من أن استمرار تعدد هذه الأنظمة قد يؤدي إلى تجزئة السوق، ويزيد من مخاطر الأمن السيبراني والأعطال التقنية، مما يهدد كفاءة المنظومة المالية الموحدة.
الابتكار يسبق التنظيم الأوروبي
في المقابل، يحذر الخبراء من أن وتيرة الابتكار المتسارعة في القطاع الخاص قد تتجاوز قدرة التنظيم الأوروبي. هذا الأمر قد يقلل من فعالية مشروع "اليورو الرقمي" إذا ما تأخر إطلاقه حتى عام 2029.
وفي هذا الصدد، قال نورمان وودينغ، الرئيس التنفيذي لشركة "سكربت" للمدفوعات الرقمية: "إن الابتكار يسبق التنظيم بشكل بنيوي، وما يتم تقييمه اليوم قد يتغير بالكامل خلال سنوات قليلة".
يكشف طرح مشروع "اليورو الرقمي" حالياً عن صراع أوسع بين الطموح الأوروبي لبناء نظام مالي مستقل، والواقع العملي الذي يتمثل في هيمنة شركات الدفع العالمية والتطور السريع للتكنولوجيا المالية. يبقى التحدي الأكبر أمام أوروبا هو تحقيق التوازن الدقيق بين السيادة النقدية والمرونة التنافسية في سوق تتغير قواعده بوتيرة متسارعة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد