سوريا في قمة السبع بفرنسا: تحول جيوسياسي عبر بوابة الاقتصاد


هذا الخبر بعنوان "سوريا إلى قمة السبع في فرنسا: عودة سياسية عبر بوابة الاقتصاد" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجه الأنظار نحو المشاركة السورية المنتظرة في قمة مجموعة السبع، المزمع عقدها في فرنسا الشهر المقبل. تُعد هذه الخطوة، التي سيحضرها الرئيس السوري أحمد الشرع بصفة ضيف، ذات أبعاد سياسية واقتصادية تتجاوز مجرد الطابع البروتوكولي التقليدي، إذ تمثل أول حضور سوري لاجتماعات المجموعة منذ تأسيسها عام 1975.
وقد سُلمت الدعوة مباشرة إلى وزير المالية السوري محمد يسر برنية خلال مشاركته في الاجتماعات المالية للمجموعة التي عُقدت في باريس الأسبوع الماضي. من المقرر أن تستضيف مدينة إيفيان-لي-بان جنوب شرقي فرنسا القمة في الفترة ما بين 15 و17 حزيران.
تأتي هذه المشاركة في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، وسط تصاعد التوترات المرتبطة بالمواجهة الإيرانية الأميركية، وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة والشحن عبر مضيق هرمز. دفع هذا الوضع عدداً من القوى الدولية إلى إعادة النظر في خرائط النقل والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
تعكس مشاركة دمشق في قمة تضم القوى الاقتصادية الكبرى في العالم تحولاً تدريجياً في طريقة التعاطي الدولي مع الملف السوري. يشير هذا التحول إلى انتقال الاهتمام من المقاربة الأمنية والعسكرية إلى مقاربة ترتبط بالاقتصاد والاستقرار وإعادة التموضع الجيوسياسي.
وفي حديث لمنصة سوريا 24، قال خالد الحمدي، الخبير في التخطيط الاقتصادي، إن سوريا “أصبحت الصندوق الأسود لكافة القوى السياسية والاقتصادية”. واعتبر الحمدي أن مشاركة الشرع تمثل “نقطة انعطاف مهمة في مسار التفوق السياسي السوري والدبلوماسي واندماجها بالعالم المتطور”.
وأضاف الحمدي أن أهمية المشاركة تكمن في منح دمشق فرصة لطرح رؤيتها بشأن إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، وإعادة دمج الاقتصاد السوري ضمن المنظومة المالية الدولية، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والانفتاح العربي المتزايد تجاه سوريا.
وأشار إلى أن القمة تمثل مساحة لفتح قنوات حوار مباشرة مع الدول المؤثرة حول ملفات العقوبات والطاقة والأمن الغذائي والتنمية. وأوضح أن سوريا تحاول إعادة تموضعها دولياً عبر خطاب اقتصادي براغماتي يقوم على المصالح والتعاون.
واختتم الحمدي بالقول إن سوريا “تحولت من دولة أزمة ونزاع إلى دولة فرص وتموضع جيوسياسي”، في إشارة إلى محاولات دمشق استثمار المتغيرات الدولية والإقليمية لإعادة تثبيت موقعها في المشهدين الاقتصادي والسياسي.
وفقاً لمصادر سورية، يعتزم الوفد السوري التركيز خلال مشاركته في القمة على طرح سوريا الجديدة بوصفها “مركزاً استراتيجياً لسلاسل الإمداد”، مستفيدة من موقعها الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا والمنطقة العربية.
يأتي ذلك في ظل التحولات التي فرضتها اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز، والتي أثرت بشكل واضح على حركة التجارة العالمية، ودفعت العديد من الدول والشركات إلى البحث عن مسارات بديلة للنقل والطاقة والتوريد.
تسعى سوريا إلى تسويق موقعها الجيوسياسي باعتباره جزءاً من الحلول المستقبلية المرتبطة بخطوط النقل الإقليمي ومشاريع الربط والطاقة، خاصة مع الحديث المتزايد عن إعادة تشكيل خرائط التجارة في الشرق الأوسط بعد التطورات العسكرية الأخيرة.
كما تحاول دمشق، وفق هذه الرؤية، استثمار أي انفتاح دولي محتمل لدعم جهود إعادة بناء الاقتصاد السوري، بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والعزلة الاقتصادية. ويأتي ذلك رغم استمرار التحديات المرتبطة بضعف البنية التحتية وصعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية وإعادة الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي.
من جهته، اعتبر الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية الدكتور عبد الباسط أبو نبوت أن الدعوة الموجهة إلى الرئيس السوري تمثل “خطوة دبلوماسية مهمة لسوريا في توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة”.
وأوضح أبو نبوت، في حديث لمنصة سوريا 24، أن تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات توسع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يرفعان من أهمية الموقع الجيوسياسي السوري، خصوصاً في ملفات أمن الطاقة والنقل الإقليمي ومشاريع الربط التجاري.
وأشار إلى أن الدعوة تعكس مستوى متقدماً من الانفتاح الدولي على دمشق، وتؤكد أن أوروبا باتت تنظر إلى التعاون مع سوريا باعتباره جزءاً من مقاربات الاستقرار الإقليمي، في ظل امتلاك الحكومة السورية ملفات وأوراقاً تجعل الحوار معها ضرورة متزايدة بالنسبة للعديد من الأطراف الدولية.
ويحمل حضور الشرع في قمة بهذا الحجم أيضاً رسائل سياسية تتعلق بإعادة إدماج سوريا تدريجياً في المحافل الدولية، بعد سنوات من التجميد والعزلة، خاصة أن مجموعة السبع تعد إحدى أبرز المنصات السياسية والاقتصادية المؤثرة في العالم.
كما قد تتيح المشاركة السورية فرصة لعقد لقاءات جانبية مع مسؤولين غربيين ودوليين لبحث ملفات تتعلق بالعقوبات وإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي، إضافة إلى قضايا الطاقة واللاجئين والأمن الإقليمي.
على الرغم من الأهمية السياسية والدبلوماسية للمشاركة السورية، فإن التحدي الأكبر يتمثل في قدرة هذا الانفتاح على تحقيق نتائج ملموسة على المستوى الاقتصادي والمعيشي داخل البلاد.
وفي هذا السياق، أكد أبو نبوت أن المواطن السوري “يتطلع إلى ما هو أبعد من الرمزية الدبلوماسية”، مشيراً إلى أن الأشهر الماضية شهدت سلسلة من اللقاءات والانفتاحات السياسية، لكن المطلوب اليوم هو ترجمة هذا التحسن في العلاقات إلى خطوات عملية.
وأوضح أن هذه الخطوات يجب أن تشمل توسيع الدعم الاقتصادي، والمساهمة بشكل أكبر في جهود إعادة الإعمار، والتعامل الجاد مع ملف اللاجئين عبر خطط منظمة تضمن عودة آمنة وكريمة ومستدامة.
كما شدد على أهمية دعم مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، معتبراً أن هذه الملفات تحتاج إلى إسناد دولي حقيقي بالتوازي مع أي انفتاح سياسي أو اقتصادي.
تمثل مشاركة سوريا في قمة مجموعة السبع اختباراً لمرحلة جديدة من العلاقات بين دمشق والعواصم الغربية، في ظل متغيرات إقليمية متسارعة تدفع نحو إعادة ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية.
وبينما تنظر دمشق إلى هذه المشاركة باعتبارها فرصة لإعادة التموضع وكسر العزلة الدولية، تبدو الدول الغربية مهتمة بدراسة الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في ملفات الاستقرار الإقليمي والطاقة وسلاسل الإمداد.
في حال نجحت هذه المشاركة في فتح مسارات تعاون أوسع، فقد تشكل بداية لتحول تدريجي في العلاقة بين سوريا والغرب، يقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية المتبادلة، بعد سنوات طويلة من القطيعة والتوتر السياسي.
لكن، في المقابل، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الانفتاح الدبلوماسي على التحول إلى مشاريع اقتصادية وتنموية حقيقية تنعكس على حياة السوريين، في بلد ما يزال يواجه تحديات معيشية واقتصادية عميقة بعد أكثر من عقد من الحرب.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة