«الليلة التي سبقت الغابات»: مسرحية سورية تضيء على معاناة المشردين وتدعو للإنسانية


هذا الخبر بعنوان "“الليلة التي سبقت الغابات”.. صرخة المشردين على خشبة المسرح" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُفتتح عرض "الليلة التي سبقت الغابات" بتقديم صورة مؤلمة لمشردين يقفون وحيدين في العراء، لا يملكون سوى أكياسهم البالية ودفاترهم التي تحولت إلى وسائد، وأحلامهم الصغيرة التي تبحث عن مأوى، في ليلة يهرب فيها الجميع من المطر. لا تُقدم هذه المسرحية كعمل فني فحسب، بل كصرخة إنسانية مدوية في وجه عالم غالبًا ما يتجاهل المهمشين. يستند العمل إلى نص الكاتب الفرنسي برنار ماري كولتيس، ويحمل توقيع المخرج منتجب صقر، حيث تتكشف أحداثه داخل كراج سيارات يختبئ فيه مشردان من قسوة المطر. يبدأ أحد المشردين بمونولوج عفوي أشبه بفضفضة طويلة مع الجمهور، يكشف من خلالها تفاصيل الحياة القاسية التي يعيشها المهمشون في المدن الحديثة، من النوم على الأرصفة إلى البحث الدائم عن مأوى آمن، والخوف المستمر من البرد والمطر والوحدة.
لا يقتصر العرض على سرد معاناة التشرد فحسب، بل يمنح شخصياته صوتًا إنسانيًا حادًا ينتقل من سوداوية الواقع إلى بصيص أمل. يتحدث الرجل عن صورته المنعكسة في مرايا السيارات وواجهات المحال، وعن شعوره بأنه غير مرئي في مجتمع رأسمالي لا يلتفت إلا للأثرياء. أما المرأة المشردة، فتسرد كيف دفعتها قسوة الأب وخسارة البيت إلى الشارع، لتبدأ رحلة طويلة من الخوف والتشرد والتعرض للسرقة والعنف. وسط هذا الألم، يزرع النص سخرية سوداء وأملًا هشًا، حيث تحلم الشخصيتان بتأسيس "نقابة دولية للمشردين"، تختار علمًا أبيض وشعارًا يحمل عبارة "التقت الطاسة". يدور الجدل بينهما حول مكان مقر النقابة، بين الحمامات العامة والمقاهي الشعبية، ليظهر هذا الحلم، وإن بدا عبثيًا، حاجة هؤلاء الناس الماسة للاعتراف بوجودهم وحقوقهم الإنسانية.
يعتمد العرض على ديكور قاتم وأجواء بصرية تعكس هشاشة الشخصيات وعزلتها، فالثياب المهترئة والأكياس المتناثرة وديكور بسيط يمثل ركنًا من كراج سيارات، كلها عناصر تساهم في رسم هذه الصورة. على درجين صغيرين، يفرد المشردون ما تبقى من مقتنياتهم، وكأنهم يبنون وطنًا مؤقتًا في مساحة لا تشبه البيت، بينما تزيد الإضاءة الحمراء الخافتة من الإحساس بالاختناق والعزلة. هذا العمل المسرحي، "الليلة التي سبقت الغابات"، عُرض على مسرح دار "الأوبرا" السورية بين 18 و20 من أيار الحالي، وهو من بطولة غسان الدبس ورشا الزغبي، وإخراج منتجب صقر.
وفي دعوة صريحة للإنسانية، صرحت الممثلة رشا الزغبي لـ "عنب بلدي" بأن رسالة العمل الأساسية هي الدعوة إلى مزيد من الإنسانية، خاصة تجاه فئة المشردين المهمشة والفاقدة للحماية، رغم معاناتها اليومية من البرد والجوع وغياب الرعاية. وأكدت الزغبي أن الألم الذي يتناوله العرض ليس مقتصرًا على مكان معين، بل يعبر عن معاناة إنسانية عالمية، مشيرة إلى أن الهدف ليس تقديم حلول، بل طرح هذا الألم الذي يعاني منه الجميع دون استثناء.
الممثل غسان الدبس وافقها الرأي، مؤكدًا أن الفكرة الأساسية للعمل تتمحور حول البحث عن الإنسان والإنسانية بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى. واعتبر الدبس أن رسالة العرض تقوم على فكرة بسيطة تتمثل في إيجاد إنسان يمكن الجلوس معه وتبادل الحديث بصدق. وعن تجربته في تجسيد شخصية رجل مشرد، أوضح الدبس أن الدور كان صعبًا للغاية، لأنه سعى لتقديم الشخصية بصدق دون أن يجرح الآخر أو يتأذى منه، مشددًا على أهمية الحفاظ على المحبة والتفاهم بين الناس.
من جانبه، شرح المخرج منتجب صقر أن النص الأصلي الفرنسي يعتمد على شخصية واحدة، لكنه اختار في هذا العرض توظيف "الدراماتورجيا" بتقسيم الشخصية إلى رجل وامرأة، ليؤكد أن مأساة الإنسان واحدة بغض النظر عن جنسه. وأوضح صقر أن العرض ينتمي إلى أسلوب "البوست دراماتيك"، المرتبط بنصوص أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات، وأنه يختلف قليلًا عن النص الأصلي مع الاحتفاظ بالفكرة الأساسية، مضيفًا مشاهد قريبة من البيئة السورية لتقريب العمل من الجمهور. كما استبدل الإسقاطات الثقافية الفرنسية في النص الأصلي بإسقاطات تنتمي إلى البيئة السورية، ناقلًا الأحداث من الطريق إلى كراج ومكان يشبه المطار، ليصبح فضاءً للبوح واللقاء الدرامي. واختتم صقر حديثه بالقول إن المسرحية دعوة للاستماع إلى الآخر، وإلى الإنسان المشرد والمظلوم، مؤكدًا أن النص يحمل بعدًا إنسانيًا عالميًا ويقدم المشردين كأناس محترمين لا يفقدون أخلاقهم رغم فقدانهم لمنازلهم.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة