“مجراوية جوزيف البديري”: رواية يوسف شرقاوي تستكشف الذاكرة والمقاومة في وجه القمع


هذا الخبر بعنوان "“مجراوية جوزيف البديري”.. رواية عن الذاكرة في مواجهة القمع" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عمل أدبي لافت، يقدم الكاتب يوسف م. شرقاوي روايته “مجراوية جوزيف البديري”، التي تتناول سيرة شخصية تتقاطع بعمق مع حكاية وطن كامل رزح طويلاً تحت وطأة الخوف والسلطة القمعية. تعتمد الرواية على أسلوب الواقعية السحرية لبناء عالمها داخل دولة متخيلة تُدعى “عين غوزانا”، يحكمها الطاغية “عزمي أبو سمكة”. هذا التصوير يستحضر إلى الأذهان مدنًا عربية عديدة عاشت تحت سيطرة الفرد ومحاولات محو الذاكرة الجماعية.
كلمة “مجراوية” في عنوان الرواية تحمل دلالة عميقة مرتبطة بالسرد الشعبي القديم، فهي مشتقة من عبارة “ما جرى” ومنها “مجراويات”، وكانت تستخدم في الحكايات والسير الشعبية للإشارة إلى تتابع الأحداث وتشكّلها.
تبدأ أحداث الرواية بميلاد “جوزيف البديري” في ليلة عاصفة، تُقدم كإنذار مبكر بالخراب، حيث السماء حمراء والرعد يهز المدينة. يبقى الطفل في رحم أمه عشرة أشهر وعشرة أيام، وكأنه يتردد في دخول عالم يعرف قسوته مسبقًا. وحتى بعد ولادته، لا يطلق صرخته الأولى إلا بعد أن تضربه القابلة “فريدة السبعاوي” طويلاً، وهو مشهد يؤسس لإحدى الأفكار المحورية في الرواية: أن الإنسان يدخل الحياة بالعنف ويُدفع إلى الخوف منذ اللحظة الأولى.
يتزامن ميلاد “جوزيف” مع صعود “عزمي أبو سمكة” إلى السلطة، لتتحول “عين غوزانا” تدريجيًا إلى دولة شمولية تُدار فيها حياة الناس من داخل الأجهزة الأمنية. تتحول المدارس والصحف والخطب إلى أدوات لتقديس الحاكم، بينما يُعاد تشكيل ذاكرة الناس بالقوة عبر سردية رسمية لا تسمح بوجود أي رواية أخرى.
وسط هذه الأحداث، تظهر شخصيات الرواية كانعكاس لتشوهات المجتمع تحت القمع. يمثل “جوزيف” الإنسان الذي يحاول النجاة عبر المعرفة والكتابة، بينما تبدو والدته “نعمة” أقرب إلى صورة الوطن المنهك الذي يستهلكه الحزن. أما الأب “مهاوش البديري”، التاجر الرافض للخضوع، فيتحول إلى ضحية مباشرة للعنف السياسي بعد اعتقاله وإرساله إلى سجن “الرصاص”، أحد أكثر الأماكن قسوة في الرواية.
داخل السجن، لا يقتصر العنف على الجسد فقط، بل يمتد إلى محاولة تحطيم الإنسان نفسيًا. يصف الشرقاوي حفلات التعذيب والاستقبال الوحشي للسجناء، ليظهر المكان وكأنه مصنع لإنتاج الخوف. وبعد خروجه، يفقد “مهاوش” تجارته وبيته وكرامته، قبل أن يختفي تاركًا ابنه وحيدًا في مواجهة اليتم والفقر.
يكتشف “جوزيف” قوة اللغة بعد تعرفه إلى أستاذ يشجعه على القراءة والكتابة، ويخبره أن المدرسة لا تريد للطلاب أن يفكروا أصلاً. من هنا تبدأ مقاومته الحقيقية، لا بالسلاح بل بالقلم، حيث يكتب “جوزيف” رواية مضادة للرواية الرسمية التي يصنعها النظام، محاولًا استعادة التاريخ الحقيقي لـ”عزمي أبو سمكة” وكشف صعوده إلى السلطة عبر العنف والخوف.
تنتهي الرواية بنبرة هادئة وتأملية، بعد زيارة “جوزيف” لقبور أمه وأبيه و”فريدة السبعاوي”، في وقت أشعل ثورة ضد الحكم ليعترف داخليًا بجملة بسيطة وثقيلة: “لقد عشت”. الانتصار، وإن لم يظهر انتصارًا سياسيًا مباشرًا، إلا أنه قدم نجاح “جوزيف” في أنه لم يتحول إلى نسخة مشوهة من جلاده، واحتفظ بقدرته على التذكر والحب والشهادة على الحقيقة، وكأن الرواية تقول إن الإنسان، حتى داخل أكثر الأنظمة قمعًا، يستطيع أن يترك أثرًا صغيرًا في هذا العالم الممتلئ بالألم.
يوسف م. شرقاوي كاتب ومحرر فلسطيني سوري، ولد عام 1999 في دمشق بمخيم “اليرموك”. عمل في مجالي التحرير والصحافة الثقافية مع عدد من المؤسسات العربية. كما عمل محررًا في دار “ممدوح عدوان” للنشر، وشارك في ورشة المحررين التي نظمتها الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر). وإلى جانب عمله في التحرير الأدبي، كتب شرقاوي في الصحافة الثقافية والأدبية لصحف ومجلات عربية وعالمية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة