المصارف السورية: تحديات التمويل وتقلبات الملكية في ظل استحقاق اقتصادي غائب


هذا الخبر بعنوان "لا إيقاف القروض.. ولا تجميد السيولة في خزائن المصارف حمى ويحمي الليرة السورية!!..المصارف العامة والخاصة السورية أمام استحقاقها الغائب في تمويل الصناعة والزراعة والسياحة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
من المتوقع أن تشهد الساحة المصرفية السورية، بشقيها العام والخاص، مرحلة جديدة مع صدور قرارات وأخبار مصرفية حديثة. هذه التطورات تشمل عودة قروض الدخل المحدود في مصرف التسليف الشعبي، ومناقشة طرح منتجات مصرفية مبتكرة في المصرف الصناعي. هذه الخطوات تضع على عاتق المصارف السورية مسؤولية حيوية في تقديم قروض الدخل المحدود (قروض التجزئة)، بالإضافة إلى القروض الإنتاجية الموجهة للصناعة والزراعة والسياحة، وتلك المخصصة لأصحاب المهن والحرف، وكل نشاط يسهم في تحقيق قيمة مضافة للحياة والعمل والإنتاج في سوريا. يجب أن تتوفر هذه القروض بصيغها التقليدية أو عبر التمويل الإسلامي، لتلبية احتياجات ورغبات المستفيدين، وهو ما يُعد ركيزة أساسية للتحول الاقتصادي المنشود.
لقد حان الوقت لسوريا الجديدة أن تعيش واقعًا مصرفيًا مختلفًا عن الظروف الصعبة التي مر بها القطاع المصرفي السوري، والذي أظهر صمودًا ملحوظًا رغم تحديات الحرب. في تقييم المراحل السابقة، التي كان آخرها تجميد السيولة في المصارف، اتضح أن أي إجراء إسعافي، سواء كان مبررًا أم لا، لن يحقق أثرًا ماليًا أو اقتصاديًا فعالًا ما لم يقترن بخطة متوسطة وطويلة الأجل. هذه الخطة يجب أن توجه الأموال المتوفرة في المصارف وفي جيوب المواطنين نحو العمل والإنتاج، وهو ما تؤكده المستويات التي بلغها سعر صرف الليرة السورية كبرهان عملي على ضرورة هذا التوجه.
تمتلك سوريا منظومة مصرفية عامة راسخة، مملوكة للخزينة العامة للدولة. هذه المنظومة تقدم خدمات مصرفية متنوعة، منها القروض الزراعية التي يوفرها المصرف الزراعي، الذي يُعد "تروستًا مصرفيًا" بحد ذاته، بفضل شبكة فروعه البالغة 106 فروع وخبرته المصرفية التي تعود إلى عام 1882، وهي خبرة لا تقدر بثمن. كما تقدم المنظومة قروض التجزئة البسيطة، المعروفة بقروض الدخل المحدود، عبر مصرفي التسليف الشعبي والتوفير. ويُعنى المصرف الصناعي بتقديم القروض الصناعية والمهنية، بينما يتولى المصرف العقاري تمويل القروض العقارية. إضافة إلى ذلك، يُصنف المصرف التجاري السوري كواحد من أكبر المؤسسات المصرفية في المنطقة، ويضطلع بتمويل التجارة الخارجية. وقد انخرطت هذه المصارف في مفهوم الشمول المالي من خلال تنويع منتجاتها المصرفية.
في الفترات الماضية، سعت السلطات النقدية والمالية إلى دمج هذه المصارف. إلا أن الإصلاح الحقيقي، من وجهة نظرنا، يكمن في الحفاظ على هذه المؤسسات وتعزيزها بإدخالها في منظومة حقيقية من الشفافية والحوكمة. يتطلب ذلك تفعيل مجالس إدارات تصدر تقارير مالية ربع سنوية ونصف سنوية وسنوية، أسوة بالمصارف الخاصة. ويمكن تحقيق هذا الهدف بتحويلها إلى شركات مساهمة عامة، تطرح جزءًا من رأسمالها للاكتتاب العام، مع إعطاء الأولوية لموظفي المصرف في الاكتتاب الأول، وفي حال عدم اكتماله، تُطرح الأسهم أمام عموم المواطنين.
أما فيما يخص المصارف الخاصة السورية، التي يبلغ عددها 15 مصرفًا (أربعة منها إسلامية و11 خاصة)، فقد شهدت تبدلات بنيوية حادة في هيكليتها وملكيتها، نتيجة لتقلبات المصالح والظروف التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الماضية. فقد اختفى من السوق السورية كل من بنك "عودة سرادار" وبنك "بيبلوس"، اللذان استمرا خلال سنوات الحرب حتى عام 2024. وقد ظهر بدلًا منهما "بنك الائتمان الأهلي" محل "عودة"، و"شهبا بنك" محل "بيبلوس".
الحقيقة أن هذه التحولات في الأسماء والملكيات لم تتم وفق معايير اقتصادية ومصرفية دقيقة تعتمد على الشفافية المطلوبة، سواء فيما يتعلق بالأسماء أو الملكيات. ورغم تمرير هذه الصفقات في سوق دمشق للأوراق المالية ضمن ما يُسمى "الصفقات الضخمة"، إلا أن الملكيات ظهرت بأسماء شخصيات غير معروفة، بعيدًا عن المؤسسات المصرفية المتعارف عليها عالميًا، أو عن الأسس التي قامت عليها السوق المصرفية السورية الخاصة أساسًا في عام 2005. على سبيل المثال، قام كل من بنك بيمو السعودي الفرنسي وبنك الائتمان الأهلي، بتاريخ 24 نيسان 2024، بتنفيذ عملية شراء كامل حصة بنك بيبلوس في رأسمال "شهبا بنك" (بنك بيبلوس سابقًا)، والبالغة نحو 60% من رأس المال، ما يعني عمليًا انسحاب بنك بيبلوس من السوق السورية.
نتيجة لهذه العملية، بلغت نسبة مساهمة بنك بيمو السعودي الفرنسي في رأسمال "شهبا بنك" نحو 36%، فيما بلغت مساهمة بنك الائتمان الأهلي نحو 24%، وذلك بعد موافقة سوق دمشق للأوراق المالية ومجلس النقد والتسليف، ومن ثم مجلس الوزراء. كما أصبح بنك بيمو يمتلك نحو 73% من رأسمال بنك الائتمان الأهلي، إضافة إلى 36% من رأسمال "شهبا بنك"، بينما يمتلك بنك الائتمان الأهلي 24% من رأسمال "شهبا بنك". ووفق المعايير المالية، يُصنف هذا على أنه عملية استحواذ مصرفي قد تؤثر على المنافسة العادلة بين المؤسسات المصرفية العاملة في البلاد.
على المستويين الشعبي وقطاع الأعمال، يظل الأهم هو أن تقوم هذه المصارف بالدور الاقتصادي المنوط بها في تمويل الصناعة والزراعة والسياحة وأصحاب المهن العلمية وغير العلمية. ومع الأسف، لا يزال مصرف أو مصرفان فقط يؤديان دورًا محدودًا في التمويل المهني والصناعي والتجاري. إن تفعيل الدور الحقيقي للمصارف الخاصة يُعد مهمة أساسية لمصرف سوريا المركزي، من خلال الإشراف والتقييم ونشر البيانات بشفافية وإفصاح حول ما تقوم به أغلب المصارف الخاصة في السوق السورية، والدور الذي يجب أن تؤديه في خدمة الاقتصاد والمجتمع الذي منحها المال والوجود، بدلًا من ترك الأمور تسير دون رقابة، حيث يفعل كل طرف ما يشاء.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد