مضيقا هرمز وباب المندب: شريانان حيويان يهددان الاقتصاد العالمي بخنق مزدوج للطاقة والتجارة


هذا الخبر بعنوان "إغلاق مضيق هرمز وباب المندب: بين خنق الطاقة وخنق التجارة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير غاندي المهتار إلى أن مضيق هرمز يمثل "صمام النفط والغاز" في منطقة الخليج، بينما يعتبر باب المندب "بوابة التجارة" المحورية بين قارتي آسيا وأوروبا. ورغم وقوعهما في قلب الأزمة الجيوسياسية ذاتها، فإن إغلاقهما لا يحمل الأثر الاقتصادي نفسه. يكمن الفارق الجوهري في أن إغلاق هرمز يضرب إمدادات الطاقة بشكل مباشر، في حين يؤثر إغلاق باب المندب على تكلفة النقل وسلاسل الإمداد، وقد يتحول إلى ضربة نفطية أشد وطأة إذا ما أُغلق بالتزامن مع استمرار تعطل مضيق هرمز.
ماذا يمر عبر مضيق هرمز؟ يعبر هذا المضيق الحيوي نفط المملكة العربية السعودية والكويت والعراق والإمارات وقطر وإيران، بالإضافة إلى جزء بالغ الأهمية من تجارة الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً القادم من قطر. ووفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ حجم مرور النفط والمنتجات النفطية عبر هرمز حوالي 20.9 مليون برميل يومياً خلال النصف الأول من عام 2025، وهو ما يمثل أكثر من ربع تجارة النفط البحرية عالمياً ونحو خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية. كما مرّ عبره نحو 11.4 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي المسال، أي ما يزيد عن 20% من تجارة الغاز المسال العالمية. لذلك، فإن إغلاق هرمز لا يقتصر على رفع كلفة النقل فحسب، بل يسحب كميات ضخمة من السوق، ويصيب آسيا في المقام الأول، حيث تُعد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية الوجهات الأبرز لهذه الشحنات.
أما باب المندب، الذي يقع بين اليمن وجيبوتي وإريتريا، فيربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويُعد جزءاً لا يتجزأ من طريق قناة السويس. قبل تصاعد هجمات الحوثيين، كان هذا المضيق معبراً حيوياً للنفط المتجه من الخليج إلى أوروبا وأميركا، ولحاويات الشحن بين آسيا وأوروبا. ومع ذلك، فإن حجم النفط الذي يمر عبره أقل بكثير مما يمر عبر هرمز. تُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة أن مرور النفط عبر باب المندب بلغ 9.3 ملايين برميل يومياً في عام 2023، ثم انخفض إلى 4.1 ملايين في عام 2024، و4.2 ملايين في النصف الأول من عام 2025، بعد أن حوّلت العديد من الشركات مسار سفنها حول رأس الرجاء الصالح.
تكمن الأهمية الكبرى لباب المندب في التجارة العامة. فقبل الأزمة، كان ممر البحر الأحمر/قناة السويس/باب المندب يحمل نحو 30% من تجارة الحاويات العالمية، وفقاً للبنك الدولي. ويشمل ذلك مجموعة واسعة من السلع، أبرزها الإلكترونيات والهواتف وقطع الغيار المتجهة من آسيا إلى أوروبا، والملابس والمنسوجات والأثاث، والآلات والمعدات الصناعية، والسيارات وقطع السيارات، والمواد الغذائية والحبوب والزيوت والسلع الاستهلاكية، بالإضافة إلى المواد الكيميائية والأسمدة والبلاستيك ومدخلات الإنتاج.
كيف يكون لكل ممر أزمته الخاصة؟ هنا يظهر الفرق الجوهري: إغلاق هرمز يعني أزمة عرض في الطاقة، بينما إغلاق باب المندب يعني غالباً أزمة مسارات وكلفة وتأخير. فالسفينة التي تتجنب باب المندب وقناة السويس تستطيع الالتفاف حول جنوب أفريقيا، لكنها تدفع ثمناً أعلى من حيث الوقود والتأمين والوقت. أما السفينة التي ترغب في الخروج من الخليج عبر هرمز فلا تملك بديلاً بحرياً حقيقياً إلا إذا كانت الدولة المصدّرة تمتلك خط أنابيب يتجاوز المضيق. وقد بنت المملكة العربية السعودية منذ سنوات خط الأنابيب شرق–غرب الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر. وفي عام 2026، أعلنت السعودية استعادة الطاقة الكاملة للخط عند نحو 7 ملايين برميل يومياً، أي نحو 70% من صادراتها اليومية المعتادة. وعملياً، لا تتحول كل هذه الكمية إلى صادرات مباشرة، لأن جزءاً منها يذهب إلى مصافي ومرافق غرب المملكة، لكن الخط يمنح الرياض هامش مناورة، حولته إلى سمة إضافية من خلال إنشاء شبكة نقل برية تربط دولاً خليجية مختلفة بالبحر الأحمر.
لكن، إذا أُغلق باب المندب أيضاً أو تعرضت موانئ البحر الأحمر لهجمات، يصبح هذا البديل نفسه تحت التهديد. لهذا السبب، يُعد إغلاق باب المندب بعد إغلاق هرمز أخطر من إغلاقه منفرداً. ففي أزمة البحر الأحمر بين عامي 2023 و2025، كانت صادرات الخليج قادرة على عبور هرمز، وكانت المشكلة الأساسية تكمن في تجنب السفن للبحر الأحمر ودورانها حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا. أما اليوم، ومع استمرار هرمز متعطلاً، يصبح البحر الأحمر ليس مجرد طريق تجاري، بل شرياناً بديلاً لتصدير النفط السعودي. عندها، لا يعود باب المندب تفصيلاً لوجستياً، بل يتحول إلى عقدة طاقة ثانية.
ما الفارق في الأثر الاقتصادي؟ يختلف الأثر في الأسواق أيضاً. ينعكس إغلاق هرمز فوراً على أسعار النفط والغاز، لأن السوق تخشى نقصاً مادياً في الإمدادات. أي تراجع كبير في صادرات الخليج يرفع علاوة المخاطر على خام برنت، ويدفع الدول المستوردة، خصوصاً في آسيا، إلى السحب من المخزونات أو البحث عن بدائل أغلى من الولايات المتحدة وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية. كما يضغط على أسواق الغاز المسال، لأن قطر لا تستطيع تصدير غازها المسال من دون المرور عبر هرمز. في المقابل، يضرب باب المندب الحاويات والتجارة العامة أكثر: يشير البنك الدولي، في حديثه عن أزمة البحر الأحمر، إلى أن المسار عبر السويس وباب المندب كان يحمل نحو 30% من تجارة الحاويات العالمية، وأن حركة السفن عبر السويس وباب المندب هبطت بشدة مع توسع الهجمات. كما ارتفعت كلفة الشحن، وتأثرت مواعيد التسليم، وازدادت الضغوط على الشركات الأوروبية والآسيوية. أما "أونكتاد" فقد حذّرت من أن إطالة الرحلات حول رأس الرجاء الصالح ترفع كلفة الوقود والتأمين والانبعاثات، وتضغط خصوصاً على الدول الفقيرة والمستوردة للغذاء.
اقتصادياً، يهدد مضيق هرمز التضخم عبر الطاقة، بينما يهدده باب المندب من خلال النقل والسلع. الأول يرفع سعر البرميل والغاز والكهرباء والوقود، والثاني يرفع كلفة الحاوية، ويؤخر السلع الوسيطة والمواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية. لذلك، ربما يكون أثر هرمز أسرع وأعنف في أسواق النفط، بينما أثر باب المندب أوسع في التجارة اليومية، وأزمة سلاسل التوريد. أخيراً، هرمز هو المضيق الأخطر منفرداً لأنه يمس قلب سوق الطاقة العالمية. أما باب المندب فهو أقل وزناً نفطياً، لكنه يصبح شديد الخطورة عندما يتحول البحر الأحمر إلى الممر البديل للصادرات الخليجية. في هذه الحالة، لا يعود العالم أمام أزمة مضيق واحد، بل أمام حصار مزدوج: هرمز يخنق الخليج من الشرق، وباب المندب يخنق مخرجه البديل من الغرب. عندها، تصبح الأزمة أكبر من ارتفاع أسعار النفط؛ تصبح اختباراً لقدرة الاقتصاد العالمي على تحمّل صدمة طاقة وشحن سلعي في وقت واحد.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد