لوركا سبيتي: قمر الجنوب اللبناني الذي نسج الوعي والإبداع شعراً وفلسفة وإعلاماً


هذا الخبر بعنوان "لوركا سبيتي… قمر الجنوب… الذي كتب الوطن شعراً" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عالم الوعي، تتداخل المصادفات أحياناً، ويقودنا الإصرار إلى اكتشاف أصوات فريدة لا تستعير ملامحها من أحد، بل تنبع من ذاتها الخالصة. هذه الأصوات لا تكتفي بسرد الأشياء كما تبدو، بل تتعمق فيها لتصل إلى جوهرها الخفي، حيث تلتقي الفكرة بالقلب والعقل بأسئلته الأزلية. لا يتعلق الأمر هنا بكتابة قصيدة أو مديح عابر، بل بالحديث عن إمكانية هائلة للجمال، وحضور يشرق كل صباح كأعمدة الضوء، وكالمطر الهاطل على خضرة النهر، وعن طمأنينة نادرة تقاوم التعب المحيط بنا من كل جانب.
نتحدث عن امرأة استطاعت أن تحوّل الثقافة إلى سلوك، والشعر إلى هوية، والفلسفة إلى طريقة خاصة للنظر إلى العالم. عندما يبحث الكاتب علي نفنوف عن لوركا سبيتي، فإنه في الحقيقة يبحث عن جزء يشبهه، عن انتماء لا واعٍ، ربما هو وعي قديم. ينتظر مقدماتها الإعلامية ليس لسماع خبر جديد، بل للذهاب معها بعيداً نحو مناطق أكثر عمقاً. فهي لا تتوقف عند الشكل الظاهر للفكرة، بل تسعى للنفاذ إلى ما خلفها وما قبلها وما بعدها، متحدثة عن الجوهر في امتداداته الإنسانية، وعن الإنسان في أسئلته التي لا تنتهي.
لهذا، تبدو لوركا سبيتي واحدة من الإعلاميات القليلات اللواتي ما زلن يؤمنّ بأن الكلمة مسؤولية، وأن الحوار فعل معرفة ومحاولة استنهاض، وأن الشاشة يمكن أن تكون مساحة للتنوير، وليست مجرد مساحة للظهور. يذهب الكاتب إليها ليصغي إلى لغة الصدق، ويشعر كلما تابعها بأنه يصبح أكثر تفاؤلاً وإيماناً بأن القادم يحمل شيئاً من الجمال. فوجود نماذج من هذا النوع يذكرنا بأن الأوطان لا تُقاس فقط بما تتعرض له من انكسارات، بل أيضاً بما تنجبه من أرواح مضيئة قابلة للخلود. لا يزال في بلدي شيء جميل… اسمه لوركا سبيتي.
يؤكد الكاتب أنه لا يزال في بلده شيء جميل، ورغم أن لوركا سبيتي ابنة الجنوب اللبناني وهو ابن الساحل السوري جغرافياً، إلا أن جغرافيا القلب تتسع لتكون وطناً مشتركاً للإبداع. لا يكتب عنها بصفته شاعراً أو فناناً تشكيلياً أو إعلامياً، بل من باب الأمانة الأخلاقية للكلمة. ومن يقرأ هذا المقال قد يعتقد أن الكاتب على معرفة شخصية بها، لكنه لا يعرفها إلا من خلال إنتاجها، ويتشرف بلقائها يوماً لتقديم نسخة من ديوانه «قميص على قصب الخليج» كإهداء.
إذاً، يكتب الكاتب عن لوركا سبيتي بصفتها: الشاعرة، والكاتبة، والإعلامية، والمثقفة ذات الحضور الفلسفي الهادئ، وابنة الجنوب، وابنة الشمس، وحفيدة القمر.
من الصعب الفصل بين لوركا الشاعرة، ولوركا الإعلامية، ولوركا الفيلسوفة، لأن هذه العوالم الثلاثة تبدو وكأنها تنبع من نهر واحد. في الشعر، لا تنتمي لوركا سبيتي إلى اللغة المتخمة بالزخارف أو القصيدة التي تبحث عن دهشتها في الغموض المفتعل، بل إلى ذلك النوع من الكتابة الذي يولد من القلق الإنساني، ومن هشاشة الروح، ومن الأسئلة التي لا تجد أجوبة نهائية. إنها تكتب من منطقة الأرق، ومن ذاكرة القلب، ومن تأملاتها الخاصة في الحب والغياب والإنسان. لذلك تبدو قصائدها أقرب إلى حوار داخلي طويل، تتجاور فيه العاطفة مع الفكر، ويصبح الصمت جزءاً من النص.
أما حضورها الإعلامي، فقد ظل وفياً لفكرة أن الشاشة ليست مسرحاً للاستعراض، إنما نافذة للتوضيح. لم تسعَ يوماً إلى الضجيج، ولم تجعل من حضورها وسيلة لتقديم ذاتها، بل وسيلة لتقديم الفكرة. ولهذا احتفظت، عبر سنوات طويلة على شاشة “الجديد”، بصورة الإعلامية الرصينة التي تعرف كيف تصغي، وكيف تمنح الكلمة وقتها، وكيف تحترم عقل المشاهد. ولعل ما يميزها أكثر من أي شيء آخر هو ذلك التوازن النادر بين الثقافة والعفوية، وبين الثقة والهدوء، وبين الحضور الواثق والابتعاد عن التكلف.
أما الفلسفة، فهي ليست عندها معرفة أكاديمية فحسب، بل أسلوب في الرؤية. ولهذا لا تنظر إلى الأشياء من سطحها، بل من أعماقها، ولا تتعامل مع الأسئلة باعتبارها طريقاً إلى الأجوبة، إنما باعتبارها طريقاً إلى المزيد من التأمل. وربما لهذا السبب تبدو مقدماتها الإعلامية أقرب إلى نصوص صغيرة مفتوحة على الحكمة، تحمل شيئاً من الشعر، وشيئاً من التأمل، وشيئاً من الإيمان العميق بالإنسان. لقد استطاعت لوركا سبيتي أن تصالح بين الشعر والفلسفة والإعلام، وأن تمنح هذه العوالم لغة واحدة وهوية واحدة، دون أن يطغى جانب على آخر. ولذلك لم تكن مجرد إعلامية ناجحة، ولا مجرد شاعرة معروفة، بل تحولت إلى حالة ثقافية وإنسانية خاصة في المشهد اللبناني والعربي. ولعل أجمل ما في تجربتها أنها لم تحاول يوماً أن تكون شبيهة بأحد، فكانت شبيهة بنفسها فقط. وذلك وحده يكفي لكي تبقى.
ولدت لوركا سبيتي عام 1979 في بلدة كفرصير في جنوب لبنان، ونشأت في بيت عرف الأدب والكلمة، فهي ابنة الشاعر اللبناني مصطفى سبيتي، وشقيقة الشاعر والصحافي فيديل سبيتي. درست الفلسفة في الجامعة اللبنانية، كما تابعت دراستها في التربية البدنية، وكانت في بداياتها عضواً في فرقة كركلا للفنون الاستعراضية. عملت في الصحافة الثقافية وكتبت في عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها السفير و النهار والقدس العربي، كما انضمت إلى اتحاد الكتّاب اللبنانيين ونقابة الصحافة اللبنانية.
أصدرت عدداً من الدواوين الشعرية، من أبرزها: “أنت لي الآن تحرر” عام 2004، و”عند أول مرسى” عام 2009، “ليس سوى الأرق” عام 2010، و”مصحّ عقلي” عام 2016، إضافة إلى “هذا كله قلبك” و”ذهان”. كما خاضت تجربة الكتابة للأطفال، ونالت جائزة اتصالات لكتاب الطفل في الشارقة عام 2017. تنقلت بين العمل الإذاعي والتلفزيوني، وقدمت برامج متعددة ذات طابع اجتماعي وثقافي وإنساني، من بينها “اسأل قلبك” و”بالحب وبس” و”مش مزح”، إلى جانب حضورها الطويل والمميز على شاشة “الجديد” حيث أصبحت واحدة من أكثر الوجوه الإعلامية اللبنانية ارتباطاً بالثقافة والكلمة الرصينة.
وعلى امتداد مسيرتها، بقي الشعر رفيقاً للإعلام، وبقيت الفلسفة روحاً خفية تسكن تجربتها، فبدت أقرب إلى صورة المثقف الذي يعبر إلى الناس من بوابة المعرفة والمحبة، وإلى صوت هادئ استطاع أن يحافظ على نقائه، وأن يترك أثره في الذاكرة الثقافية اللبنانية والعربية. وإذا كانت الأوطان تُعرف بما تتركه فينا من ضوء، فإن لبنان، على الرغم من كل ما مر به، ما زال يمتلك أصواتاً تمنحنا سبباً إضافياً للإيمان بالجمال، ومن بين هذه الأصوات… يأتي صوت لوركا سبيتي.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة