دمشق في مرمى اختبار إقليمي: تداعيات تصريحات ترامب وخطر الانخراط الأمني في ملف حزب الله بلبنان


هذا الخبر بعنوان "دمشق أمام اختبار حزب الله وخطر الوظيفة الأمنية في لبنان" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الكاتب مالك الحافظ أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تشير إلى ترك دمشق تتولى ملف حزب الله اللبناني، تمثل أخطر امتحان للحكومة الانتقالية السورية منذ حصولها على الدعم السياسي الأمريكي. يضع هذا الطرح الدعم الأمريكي للشرع في سياق تكليف سياسي، ويدفع دمشق نحو مهمة أمنية في لبنان تتجاوز قدراتها الحالية، مما يعرض سوريا لاختبار إقليمي باهظ التكلفة.
تمنح واشنطن نفسها الحق في تحويل الاعتراف بالشرع أو دعمه للوصول إلى السلطة إلى طلب أمني محدد. تدفع هذه المقاربة سوريا المنهكة إلى منطقة لبنانية شديدة الخطورة، وذلك قبل أن تتمكن من تثبيت سلطتها داخل حدودها أو تأسيس مشروع انتقالي حقيقي. كما أن سوريا تفتقر حالياً للمؤسسات القادرة على تحمل ارتدادات ملف يرتبط في آن واحد بـإيران وإسرائيل ولبنان وتركيا والولايات المتحدة.
للأسف، يتعامل دونالد ترامب مع الشرع بمنطق من يمنح الشرعية وينتظر المقابل. هذه الصيغة قد تكشف جانباً خطيراً من العلاقة بين دمشق وواشنطن، خاصة إذا ما تحول الدعم السياسي إلى رصيد قابل للصرف في ملفات الإقليم. حينها، ستصبح الحكومة الانتقالية مطالبة بإثبات فائدتها في ساحات تتجاوز قدرتها، ويغدو الاعتراف الخارجي عقداً أمنياً مؤجلاً بدلاً من أن يكون فرصة لبناء سياسة وطنية مستقلة. وهذا ما يجعل ملف حزب الله اختباراً لموقع دمشق الجديد، وليس لقدرتها العسكرية وحدها.
حتى وإن كانت سوريا تملك مصلحة مباشرة في ضبط حدودها مع لبنان، وفي منع التهريب والسلاح والشبكات العابرة من استخدام أراضيها، وفي المقابل قد تملك الدولة اللبنانية مصلحة مماثلة في تنظيم الحدود الشرقية عبر قنوات رسمية واضحة، فإن تحويل هذه المهمة إلى دور أمني سوري في الملف اللبناني يضع دمشق في مساحة ملغومة. فالفاصل السياسي بين ضبط الحدود والاشتغال داخل التوازن اللبناني شديد الحساسية، وأي تجاوز لهذا الفاصل سيمنح الحكومة الانتقالية وظيفة تفوق وزنها الفعلي، ويضعها في مواجهة تبعات لا تستطيع السيطرة عليها.
يعرف اللبنانيون معنى الدور السوري أكثر مما يعرفه صانعو الصفقات في واشنطن، فذاكرة الوصاية السورية ما زالت حاضرة في الحياة السياسية اللبنانية وفي المؤسسات والأحزاب والمزاج الشعبي. أي اقتراب سوري جديد من ملف حزب الله سيمنح الحزب مسوغاً سياسياً جاهزاً يعيد من خلاله ترتيب خطابه حول السيادة والتهديد الخارجي. كما سيحرج خصومه اللبنانيين الذين يرفضون سلاحه ويرفضون في الوقت نفسه عودة نفوذ دمشق إلى بيروت والبقاع والجنوب. وبذلك، يمكن أن تتحول محاولة الضغط عليه إلى خدمة سياسية له في توقيت يحتاج فيه إلى خصم خارجي يعيد شد عصب بيئته.
في المقابل، تحتاج الدولة اللبنانية إلى استعادة قرارها الأمني عبر جيشها ومؤسساتها وعلاقاتها العربية والدولية. وتحتاج دمشق إلى حصر علاقتها بـلبنان في التنسيق الرسمي وضبط المعابر والملفات الحدودية. فأي دور سوري يتجاوز هذا السقف سيخلط ملف السلاح غير الشرعي بذاكرة التدخل السوري، وسيعيد النقاش اللبناني من سؤال الدولة إلى معضلة الوصاية، وسيجعل الحكومة الانتقالية طرفاً في نزاع داخلي لبناني بدلاً من أن تحمي نفسها من ارتداداته.
ولا غرابة أن تقرأ إسرائيل دور سوريا الجديدة من زاوية علاقتها بـتركيا. هذه القراءة تجعل أي دور سوري قرب لبنان أكثر خطورة مما يبدو في حساب واشنطن. فـتل أبيب ترى في النفوذ التركي داخل سوريا عاملاً مقلقاً على حدودها الشمالية، وترى في أي حضور لـدمشق في الملف اللبناني احتمالاً لتوسع أنقرة غير المباشر في ساحة تعتبرها إسرائيل جزءاً من أمنها الحيوي. وهذا يضع الحكومة الانتقالية بين ضغط أمريكي يطلب وظيفة أمنية وقلق إسرائيلي يراقب أي اقتراب من لبنان عبر عدسة الصراع مع تركيا.
يحمل هذا التشابك خطراً إضافياً على سوريا، فالعلاقة التركية الإسرائيلية تعاني توتراً عميقاً حول غزة وسوريا وشرق المتوسط وهوية المجال الأمني في المشرق. ويضيف لبنان ملفاً أشد حساسية إلى هذا التوتر، لأن حزب الله يمثل في الحساب الإسرائيلي تهديداً مباشراً، ولأن أي دور سوري تجاهه سيظهر في تل أبيب كامتداد محتمل لنفوذ تركي عبر دمشق. وعند هذه النقطة، تفقد الحكومة الانتقالية القدرة على التحكم بمعنى فعلها، فتقول إنها تضبط الحدود، وتقرأ إسرائيل أنها تواجه تموضعاً تركياً مقنعاً، وتقرأ إيران أنها تخسر جزءاً من مجالها الحيوي، ويقرأ لبنان أن شبح الوصاية يعود من باب جديد.
في حين تمنح مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الأخيرة هذا الملف الإقليمي معنى أوسع. فخفض التصعيد بين واشنطن وطهران لا يلغي صراع النفوذ في جوار سوريا، وإنما ينقل جزءاً من الضغط إلى الساحات القريبة من إيران، وفي مقدمتها لبنان والعراق وسوريا. وقد يصبح حزب الله في هذا السياق ورقة تتصل بمصير التفاهم أكثر مما يتصل بالحدود اللبنانية وحدها. ولذلك، قد تبحث واشنطن عن أدوات أقل كلفة من المواجهة المباشرة مع طهران، وقد تبدو دمشق في نظر دونالد ترامب أداة مناسبة لأنها تحتاج اعترافاً ودعماً وغطاءً سياسياً.
تلك هي خطورة الفكرة كلها، فالحكومة الانتقالية قد تحصل على مظهر لاعب إقليمي سريع عبر ملف حزب الله، غير أنها ستدفع الثمن من رصيد سوريا الداخلي ومن أمن حدودها ومن علاقتها بـلبنان ومن حساسيتها تجاه إسرائيل وإيران وتركيا. وستجد نفسها في موقع الوكيل الذي يتحمل الردود والضربات والاتهامات، فيما تستخدم القوى الكبرى دوره في مساومات أوسع حول النووي والنفط والممرات البحرية وسلاح الجماعات الحليفة لـإيران.
يحمل هذا المسار رائحة التجربة التي صنعها حافظ الأسد في لبنان، فقد استثمر النظام السابق الحرب الأهلية اللبنانية لتكريس دور أمني وسياسي طويل، وحوّل الوجود السوري هناك إلى ورقة مساومة إقليمية ودولية، وجعل لبنان مساحة نفوذ للنظام أكثر مما جعله ساحة استقرار. ودفع السوريون واللبنانيون ثمناً باهظاً لهذا الدور الذي أعطى السلطة في دمشق وهماً دائماً بأنها تستطيع تعويض أزماتها الداخلية بأدوار خارجية قسرية.
ختاماً، فإن ما تحتاجه دمشق يتمحور حول سياسة حدودية صارمة لا إلى وظيفة لبنانية جديدة، وتحتاج إلى بناء جيش ومؤسسات وقضاء وإدارة قادرة على حكم الداخل، وتحتاج إلى إغلاق ممرات السلاح والتهريب عبر أراضيها من موقع الدولة. فالدولة الخارجة من الحرب تفقد ما تبقى من سيادتها حين تجعل أمنها مورداً في صفقات الآخرين، وحين تقايض الاعتراف الخارجي بأدوار تستنزف الداخل وتفتح حدودها على خصومات أكبر من قدرتها.
ولعل الحكومة الانتقالية تملك خياراً واحداً يحمي سوريا من هذا الفخ، وهو حصر الملف اللبناني بضبط الجانب السوري من الحدود والتنسيق الرسمي مع بيروت وطلب غطاء عربي ودولي واضح لأي ترتيبات حدودية، مع رفض تحويل كلام دونالد ترامب إلى سياسة سورية. فالمشكلة الرئيسية تكمن في قبول صيغة تجعل دمشق جزءاً من حرب سياسية وأمنية في لبنان باسم استحقاق الدعم الأمريكي.
سياسة
سياسة
سوريا محلي
اقتصاد