تجربة رواندا بعد الحرب: هل تقدم درساً لسوريا في تجاوز الصراعات وبناء المستقبل؟


هذا الخبر بعنوان "رواندا… هل تحمل درساً لسوريا؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: عدنان الشمالي
قبل ما يزيد عن ثلاثة عقود، كانت رواندا على شفا الانهيار التام. فقد شهدت حرباً أهلية وصراعاً عرقياً دموياً أودى بحياة مئات الآلاف في غضون أشهر قليلة، مخلفاً مجتمعاً مثقلاً بالجراح العميقة والخوف والذكريات المؤلمة. في تلك الفترة، بدا أن الكراهية المتراكمة بين أبناء الوطن الواحد ستحتاج إلى أجيال طويلة لتتلاشى، وأن دوامة الانتقام ستظل مفتوحة بلا نهاية.
لكن ما حدث لاحقاً كان مغايراً تماماً. فبدلاً من أن تظل رواندا رهينة لماضيها الأليم، اختار الروانديون، رغم كل ما حملوه من آلام وخسائر، أن يتطلعوا إلى المستقبل. لم يكن هذا المسار سهلاً، ولم يتحقق دفعة واحدة، بل كان قراراً واعياً بأن استمرار الانقسام لن يؤدي إلا إلى المزيد من الخسائر. ركزت الدولة على إعادة بناء مؤسساتها، والاستثمار في قطاعي التعليم والتنمية، وتحسين الاقتصاد، وتعزيز مفهوم المواطنة الجامعة. ومع مرور السنوات، تحولت رواندا من بلد ارتبط اسمه بالمجازر والحروب إلى واحدة من أكثر الدول الأفريقية استقراراً وتنظيماً، وأصبحت تجربتها محط اهتمام العديد من الباحثين والمهتمين بقضايا إعادة بناء المجتمعات بعد النزاعات.
عندما ننظر إلى سوريا اليوم، قد لا نجد تطابقاً كاملاً بين التجربتين، فلكل بلد ظروفه وتعقيداته الخاصة. لكن الدرس المستخلص من التجربة الرواندية يتجاوز التفاصيل المحلية ليلامس فكرة أعمق: لا يمكن لأي مجتمع أنهكته الحروب أن يستعيد عافيته إذا ظل أسيراً للانقسامات والصراعات القديمة.
بعد سنوات طويلة من الحرب، يصعب العثور على أسرة سورية لم تدفع ثمناً باهظاً، سواء بفقدان الأحباء أو النزوح أو التهجير أو التراجع الاقتصادي والاجتماعي. لذلك، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو من انتصر ومن خسر، بل كيف يمكن منع تكرار المأساة، وكيف يمكن بناء مستقبل يضمن للأجيال القادمة حياة أكثر استقراراً وأمناً. فالشعوب لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد في دائرة الانتقام. وعندما تتحول الأحقاد إلى إرث تتناقله الأجيال، فإن الحروب قد تتوقف عسكرياً، لكنها تستمر اجتماعياً ونفسياً بأشكال مختلفة. وفي هذه الحالة، يصبح السلام مجرد هدنة مؤقتة لا أكثر.
إن سوريا لا تحتاج إلى محو الذاكرة أو تجاهل ما جرى، فالتاريخ لا يمكن شطبه، والتجارب القاسية لا تُنسى بسهولة. لكنها تحتاج إلى قراءة هذه التجارب بوصفها دروساً للمستقبل، لا وقوداً لصراعات جديدة. وتحتاج إلى دولة يشعر جميع مواطنيها أنهم شركاء فيها ومتساوون أمام قانونها، لا أن يعيش كل طرف قلقاً من الآخر أو متوجساً من المستقبل.
قد لا تكون رواندا نموذجاً يمكن استنساخه بحذافيره، لكن الرسالة التي تقدمها تجربتها تستحق التأمل: لا يوجد منتصر حقيقي في الحروب الأهلية، لأن الخسارة النهائية تصيب الوطن بأكمله، مهما اختلفت مواقع الأطراف المتصارعة. ولعل التحدي الأكبر أمام السوريين اليوم لا يكمن في إعادة بناء الحجر فقط، بل في إعادة بناء الثقة والأمل والإيمان بإمكانية العيش المشترك. فالأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تستقر بالثأر، وإنما تنهض عندما يقتنع أبناؤها بأن مستقبلهم المشترك أهم من خلافاتهم، وأن لا خيار أمامهم سوى أن يعيشوا معاً ويبنوا معاً.
سوريا محلي
سياسة
اقتصاد
سياسة