مستقبل العلاقة السورية اللبنانية: ترمب يقترح دوراً لدمشق والشرع يحدد شروطاً جديدة


هذا الخبر بعنوان "بين حديث ترمب وردّ الشرع.. ما طبيعة الدور السوري المحتمل في لبنان؟" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول إمكانية اضطلاع سوريا بدور في التعامل مع ملف حزب الله في لبنان، نقاشاً متجدداً حول موقع دمشق في المعادلة اللبنانية، وذلك في سياق يختلف جذرياً عن العقود الماضية. فبينما تواصل الولايات المتحدة ضغوطها لإعادة رسم التوازنات الإقليمية وتقليص نفوذ إيران وأذرعها في المنطقة، جاء رد الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه مع قناة المشهد ليؤكد أن دمشق لا تسعى للتدخل في الشأن اللبناني. وأوضح الشرع أن المقاربة السورية تقوم على دعم الاستقرار والتنسيق مع الدولة اللبنانية والمساهمة في تهيئة الظروف للحلول السياسية، مشدداً على أن العلاقة بين البلدين لن تعود إلى الحشود العسكرية.
بين الطرح الأميركي والموقف السوري، يبرز تساؤل حول ما تريده واشنطن من دمشق في لبنان، وما هي حدود الدور الذي يمكن أن تقبله سوريا الجديدة في الساحة اللبنانية بعد سقوط نظام الأسد. فالجدل الحالي لا يقتصر على مستقبل حزب الله أو موازين القوى في لبنان، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة التحول الذي شهدته السياسة السورية نفسها. فبعد عقود كانت فيها دمشق لاعباً مباشراً في تفاصيل الحياة السياسية والأمنية اللبنانية، تسعى القيادة السورية الجديدة لتقديم مقاربة مختلفة تقوم على التعامل مع لبنان بوصفه دولة ذات سيادة، لا ساحة نفوذ أو امتداداً للسياسات الإقليمية السورية.
وفي هذا السياق، تحمل تصريحات الشرع دلالات تتجاوز مجرد الرد على ترمب، إذ تعكس محاولة لرسم حدود جديدة للعلاقة مع بيروت، قائمة على التعاون بين الدولتين بدلاً من التدخل في شؤونهما الداخلية. وعلى الصعيد الداخلي السوري، لا يبدو خيار عودة نفوذ حزب الله والميليشيات الإيرانية مقبولاً شعبياً، خاصة بعد سنوات من الانتهاكات والتدخلات التي جعلت قطاعات واسعة من السوريين تنظر إلى هذا النفوذ كتهديد للاستقرار. كما أن اعتماد الحكومة السورية نهجاً يقوم على ضبط ردود الفعل ومنع الانتقام بعد سقوط النظام، أسهم في فتح هامش أمام بعض العناصر التي ارتبطت سابقاً بتلك الميليشيات للانفكاك عن المشروع الإيراني والاندماج مجدداً في المسار الوطني.
يرى الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي أن احتمالات التدخل العسكري السوري المباشر في لبنان تبدو ضعيفة في المدى المنظور. ويشير إلى أن مقاربة الرئيس الشرع ترتكز على دعم استقرار لبنان من خلال التنسيق مع الحكومة اللبنانية وضبط الحدود ومنع تهريب السلاح. ويركز اهتمام دمشق حالياً على التعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي والمصالح المشتركة بدلاً من النفوذ العسكري، لكن نجاح هذا التوجه يبقى مرهوناً باستقرار البلدين ومعالجة الملفات الأمنية العالقة. ومع ذلك، لا يستبعد عاصي إمكانية التدخل الأمني المحدود كخيار استثنائي تفرضه الضرورات الأمنية، وليس توجهاً سياسياً دائماً.
وبحسب عاصي، فإن ما يُطرح أميركياً لا يعني بالضرورة موافقة سورية عليه، بل يمكن قراءته في إطار الضغوط التي تمارسها واشنطن على لبنان وأطراف إقليمية أخرى لحسم ملفات عالقة تتعلق بالسلاح والنفوذ الإقليمي. ولا يستبعد الباحث أن تتأثر حسابات دمشق مستقبلاً بمسار الضغوط أو الحوافز الدولية، خاصة إذا ارتبطت بملفات رفع العقوبات وإعادة الإعمار والاعتراف الدولي الكامل بالإدارة السورية الجديدة. ويلفت إلى أن أي دور سوري محتمل في لبنان، إذا فُرضت ظروفه السياسية مستقبلاً، سيكون جزءاً من تفاهمات سورية ـ لبنانية ـ دولية واسعة، لا تدخلاً عسكرياً مباشراً كما كان الحال في مراحل سابقة، وسيتطلب تفاهمات مسبقة تتعلق بالملفات الحدودية والسيادية، وفي مقدمتها مزارع شبعا، وتحديداً واضحاً لطبيعة المهمة وأهدافها ومدتها وضماناتها السياسية.
من جانبها، ترى الخبيرة الاقتصادية اللبنانية فيوليت بلعة أن تصريحات الشرع حملت رسائل طمأنة للبنانيين، خصوصاً أنها جاءت في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها ملفات المفاوضات الأميركية الإيرانية والحرب في المنطقة ومستقبل حزب الله. وتوضح بلعة لموقع سوريا 24 أن الحديث عن احتمال وجود طلب أميركي من دمشق للتدخل في ملف الحزب لا يمكن استبعاده بالكامل، لكنه لا يعني موافقة سوريا أو استعدادها للانخراط في هذا المسار. وتضيف أن الطرح الأميركي يمكن فهمه أيضاً كجزء من الضغوط التي تمارسها واشنطن على الدولة اللبنانية لدفعها نحو استكمال تنفيذ القرارات المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، أكثر من كونه مؤشراً إلى عودة دور سوري مباشر داخل لبنان. وتشير إلى أن الذاكرة السياسية اللبنانية ما تزال مثقلة بإرث العلاقة مع النظام السوري السابق، ما يجعل أي حديث عن دور سوري في لبنان يُستقبل بحساسية عالية.
ولا يمكن الحديث عن العلاقة الجديدة بين البلدين الجارين بعيداً عن الحسابات التجارية لكليهما، إذ ترى بلعة أن الفرصة الحقيقية لإعادة بناء العلاقة بين البلدين تكمن في الاقتصاد لا في الملفات الأمنية. وبحسب تقديرها، يحتاج لبنان وسوريا اليوم إلى شراكة قائمة على المصالح المتبادلة، لا على التوازنات السياسية أو الأمنية التي حكمت المراحل السابقة. وتشير إلى أن قطاعات إعادة الإعمار والسياحة والتبادل التجاري والترانزيت والتصدير والاستيراد تمثل المجالات الأكثر قدرة على إنتاج مصالح مشتركة بين البلدين. ويمكن للبنان أن يساهم بخبراته في الخدمات اللوجستية والتغليف الصناعي والقطاعات المرتبطة بالتجارة، مقابل ما توفره سوريا من سوق واسعة وفرص استثمارية مرتبطة بإعادة الإعمار. وتؤكد بلعة أن نجاح هذا المسار يتطلب بناء علاقة متوازنة تقوم على احترام سيادة الدولتين ومصالحهما المشتركة، بعيداً عن تجارب العقود الماضية.
حتى الآن، لا يبدو أن دمشق مستعدة للعودة إلى الأدوار التي لعبتها في لبنان خلال العقود السابقة، كما لا تبدو واشنطن قادرة على فرض معادلة جديدة بسهولة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي. وتبقى أسئلة كثيرة مطروحة: هل يقتصر الدور السوري على ضبط الحدود والتنسيق الأمني مع الدولة اللبنانية؟ أم أن تطورات الإقليم قد تدفع دمشق إلى أدوار أوسع مستقبلاً؟ وهل تستطيع الحكومة اللبنانية حسم الملفات الأمنية العالقة من دون الحاجة إلى وساطات أو أدوار خارجية؟ وهل تنجح المصالح الاقتصادية في فتح صفحة جديدة بين البلدين قبل تسوية الملفات السياسية الثقيلة؟ وهل نشهد ولادة علاقة سورية ـ لبنانية جديدة تقوم على منطق الدولة والشراكة، أم أن إرث العقود الماضية سيبقى حاضراً في رسم حدود المستقبل؟ هذه الأسئلة لا تملك إجابات نهائية اليوم، لكنها ترسم ملامح النقاش الذي سيحدد شكل العلاقة بين بيروت ودمشق في السنوات المقبلة، في منطقة ما تزال تعيد صياغة توازناتها بعد سنوات طويلة من الحروب والتحولات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة