ارتفاع أسعار الذهب يغير تقاليد الزواج في الحسكة ويجبر العائلات على تقليص المهور


هذا الخبر بعنوان "أسعار الذهب تغير عادات الزواج في الحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد العرائس في محافظة الحسكة يدخلن الحياة الزوجية وهنّ محملات بكميات كبيرة من الذهب كما كان معتادًا في السنوات الماضية. فقد فرض الارتفاع الكبير في أسعار الذهب واقعًا جديدًا على سوق المصاغ في الجزيرة السورية، مما دفع العديد من العائلات إلى تقليص كميات الذهب المقدمة للعروس إلى الحد الأدنى، والاكتفاء غالبًا بمحبس الزواج، بعد أن كانت الأساور والخواتم والأقراط وغيرها من القطع جزءًا أساسيًا من تجهيزات العرائس.
بلغ سعر غرام الذهب عيار 21 في سوق الذهب بمدينة الحسكة وعموم المحافظة، وقت كتابة هذا التقرير، نحو 116 دولارًا، أي ما يعادل نحو 1.5 مليون ليرة سورية وفق سعر صرف يبلغ نحو 13300 ليرة للدولار الواحد. هذا الرقم جعل شراء كميات كبيرة من الذهب أمرًا يفوق قدرة كثير من العائلات، خصوصًا مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الزواج عمومًا.
يقول عاملون في سوق الذهب بالحسكة إن حركة شراء المصاغ تغيرت بشكل واضح مقارنة بالسنوات السابقة، إذ تراجعت طلبات شراء القطع ذات الأوزان الكبيرة، بينما أصبحت القطع الخفيفة هي الخيار الأكثر انتشارًا بين المقبلين على الزواج.
من طقم كامل إلى محبس فقط
داخل سوق الذهب بمدينة الحسكة، يلاحظ الصائغ محمد العلي انخفاض الإقبال على شراء المصاغ ذي الوزن المرتفع، مقارنة بما كان عليه السوق قبل سنوات. وقال محمد إن الفرق بين الوقت الحالي والسنوات الماضية “كبير جدًا”، موضحًا أن تجهيز العروس كان يتضمن سابقًا أكثر من قطعة ذهبية، مثل الأساور والخواتم والأقراط، وقد تصل الكمية في بعض الحالات إلى عشرات الغرامات. وأضاف أن أغلب الزبائن اليوم يسألون عن القطع الخفيفة، مشيرًا إلى أن “المحبس أصبح القطعة الأساسية في كثير من عمليات الزواج، وأحيانًا يضاف إليه خاتم صغير أو قطعة بسيطة بحسب قدرة العائلة المادية”.
وعزا الصائغ هذا التراجع إلى الارتفاع الكبير في سعر غرام الذهب، موضحًا أن شراء 20 أو 30 غرامًا من الذهب، وهي كمية كانت مألوفة لدى بعض العائلات سابقًا، أصبح يحتاج إلى مبلغ كبير لا تستطيع معظم الأسر توفيره. وأشار محمد إلى أن النساء في محافظة الحسكة كنّ ينظرن إلى الذهب سابقًا بوصفه زينة وادخارًا في الوقت نفسه، إذ كانت كثير من النساء، ولا سيما من الجيل الأكبر سنًا، يحتفظن بكميات كبيرة منه قد تصل في بعض الحالات إلى نحو 250 غرامًا. لكن هذا النمط تغير تدريجيًا مع ارتفاع أسعار الذهب وتراجع القدرة على شراء كميات جديدة، بحسب الصائغ، الذي يرى أن الذهب تحول من جزء أساسي من تجهيزات الزواج إلى “تكلفة إضافية يحاول كثيرون تخفيفها”.
ذهب الماضي.. عندما كان الغرام بمئات الليرات
تتذكر فاطمة السالم، وهي من ريف الحسكة الشرقي، الفترة التي كان فيها شراء الذهب متاحًا لعدد أكبر من العائلات مقارنة بالوقت الحالي. وقالت فاطمة إنها اشترت 140 غرامًا من الذهب عام 2001، عندما كان سعر غرام الذهب يبلغ نحو 350 ليرة سورية، معتبرة أن ذلك كان من أقل الأسعار التي شهدتها تلك الفترة. وأضافت أن سعر الغرام خلال الفترة الممتدة بين عامي 1995 و2000 كان يتراوح تقريبًا بين 500 و600 ليرة، وكانت النساء قادرات على شراء الذهب تدريجيًا خلال سنوات طويلة، سواء عبر الادخار أو من خلال المناسبات الاجتماعية.
وذكرت أن النساء في تلك الفترة لم يكن يشترين الذهب فقط بهدف الزواج، بل كان اقتناؤه وسيلة لحفظ قيمة المال، إذ كانت المرأة تجمع القطع الذهبية على مراحل، وقد تمتلك مع مرور السنوات أوزانًا كبيرة. فاطمة قالت إن كثيرًا من نساء جيلها كنّ يحتفظن بأطقم ذهبية وأساور وخواتم وأقراط، وكانت بعض النساء تصل ممتلكاتهن من الذهب إلى مئات الغرامات. لكنها أشارت إلى أن الوضع الحالي مختلف تمامًا، إذ أصبحت أسعار الذهب مرتفعة إلى درجة تجعل شراء قطعة صغيرة يحتاج إلى تخطيط طويل، بينما باتت الأولوية لدى كثير من العائلات لتغطية تكاليف الزواج الأساسية الأخرى.
عروس تكتفي بثلاثة غرامات
تغيرت تفاصيل تجهيز العرائس في الحسكة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تعكسه تجربة ريم أحمد، التي تزوجت قبل نحو عامين. وقالت ريم إن الذهب الذي حصلت عليه عند زواجها اقتصر على محبس فقط، بوزن ثلاثة غرامات، مشيرة إلى أن الظروف الاقتصادية لم تسمح بشراء قطع إضافية كما كان يحدث سابقًا. “الفكرة لم تعد مرتبطة بالرغبة فقط، فالعروس وأسرتها قد ترغبان بشراء أكثر من قطعة، لكن ارتفاع الأسعار يجعل الأمر صعبًا”، وفق ريم. وأضافت أن كثيرًا من الفتيات اللواتي يتزوجن في الوقت الحالي أصبحن يفضلن الحصول على مبلغ مالي أو تقليل كمية الذهب، بسبب صعوبة تأمين تكاليف الزواج كاملة. وترى ريم أن الذهب فقد جزءًا من حضوره كعنصر أساسي في تجهيز العروس، بعدما كان سابقًا يمثل جانبًا مهمًا من مهر المرأة ومظهرها الاجتماعي، وأن بعض العائلات كانت تعتبر كمية الذهب التي تحصل عليها العروس نوعًا من الأمان المالي لها، إلا أن ارتفاع الأسعار جعل الوصول إلى تلك الكميات أمرًا نادرًا.
صعوبة أمام المقبلين على الزواج
لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الذهب على النساء فقط، إذ يواجه الشباب المقبلون على الزواج صعوبة كبيرة في تأمين الذهب ضمن متطلبات الزواج. أحمد العبد الله، شاب مقبل على الزواج من ريف مدينة الحسكة الجنوبي، قال إن شراء الذهب أصبح من أكثر الأمور التي تشكل ضغطًا ماليًا على المقبلين على الزواج. وأضاف أن الشاب كان يستطيع سابقًا شراء عدة قطع ذهبية لعروسه بمبالغ أقل، بينما يحتاج اليوم إلى مبلغ كبير للحصول على كمية محدودة. كثير من الشباب يحاولون التوفيق بين شراء الذهب وبين بقية تكاليف الزواج، مثل تجهيز المنزل والمهر والمصاريف المرتبطة بالمناسبة، بحسب أحمد، مشيرًا إلى أن الاتفاق بين العائلات أصبح يميل أكثر إلى تخفيف كمية الذهب المطلوبة، والاكتفاء بما يمكن تحمله ماديًا، بعدما أصبح شراء كميات كبيرة من الذهب أمرًا صعبًا.
من زينة إلى عبء اقتصادي
لطالما ارتبط الذهب في المجتمع السوري، ولا سيما في مناطق الجزيرة، بمناسبات الزواج وباعتباره جزءًا من مكانة المرأة ومدخراتها، لكن التحولات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة غيّرت هذه العادة. في محافظة الحسكة، حيث تعتمد نسبة كبيرة من السكان على مصادر دخل تأثرت بالأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار، أصبح الذهب من المصاريف التي يجري تقليصها عند إعداد ميزانية الزواج. ويرى صائغون في السوق المحلية أن تراجع الإقبال لا يعني اختفاء الطلب على الذهب، لكنه يعكس انتقال الزبائن من شراء القطع الكبيرة إلى البحث عن خيارات أقل وزنًا وأكثر قدرة على تحمل التكلفة. وبينما كانت النساء في السابق يجمعن الذهب على مدى سنوات، وقد يصل ما تمتلكه بعضهن إلى مئات الغرامات، باتت الأسر اليوم تركز على تأمين الحد الأدنى من المصاغ، لتصبح قطعة صغيرة أو محبس بوزن محدود هو الخيار الأكثر انتشارًا بين كثير من العرائس في الحسكة. وهكذا فرض ارتفاع سعر غرام الذهب عيار 21 واقعًا جديدًا على عادات الزواج في الجزيرة السورية، حيث لم يعد الذهب كما كان سابقًا رمزًا للزينة والادخار فقط، بل أصبح بندًا ماليًا ثقيلًا يدفع العائلات إلى إعادة حساباتها في تجهيز العرائس.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد