مكتبات الحسكة تقاوم الاختفاء: تحديات اقتصادية وتقنية تهدد الفضاء الثقافي


هذا الخبر بعنوان "مكتبات في الحسكة تقاوم الإغلاق.. تحولات تهدد الفضاء الثقافي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها محافظة الحسكة خلال السنوات الماضية، تواجه المكتبات التجارية تحديات كبيرة تهدد وجودها. فقد أغلقت بعض المكتبات أبوابها نهائيًا، بينما لجأت أخرى إلى تغيير نشاطها التجاري. يرجع قرّاء وأصحاب مكتبات هذا التراجع إلى ارتفاع أسعار الكتب، وتبدل أولويات السكان، وانتشار القراءة الإلكترونية.
تتجلى آثار هذا التحول بوضوح في شوارع وسط مدينة الحسكة، حيث اختفت واجهات المكتبات التي كانت تمثل نقاط التقاء ثابتة للقراء، وحلت محلها متاجر للملابس أو الأدوات المنزلية أو الأجهزة الكهربائية، في مشهد يعكس التدهور الاقتصادي الذي أعقب سنوات الحرب.
لسنوات طويلة، كانت مكتبات الحسكة وجهة أساسية لطلاب الجامعات والموظفين والمهتمين بالأدب والفكر، حيث كانت توفر تشكيلة واسعة من الروايات والكتب الفكرية والتاريخية والدواوين الشعرية، وتشكل مساحة للحوار وتبادل الآراء حول الإصدارات الجديدة. لكن هذا الدور تراجع تدريجيًا مع تغير الظروف المعيشية، وأصبح الحفاظ على مكتبة تجارية تحديًا متزايدًا في ظل ضعف القدرة الشرائية.
مكتبات تغلق وأخرى تغيّر نشاطها
اضطر أصحاب مكتبات في المدينة إلى إغلاق محالهم بسبب تراجع المبيعات وارتفاع تكاليف التشغيل. وفضّل آخرون تحويل محالهم إلى أنشطة تجارية أكثر ربحية، نظرًا لانخفاض الطلب على الكتب مقارنة بالاحتياجات المعيشية الأساسية.
يعتبر العديد من السكان أن اختفاء المكتبات يمثل خسارة لأحد المظاهر الثقافية التي ميّزت المدينة، حيث كانت المكتبات نافذة للحصول على المعرفة وتشجيع القراءة بين الشباب.
يشير متابعون للشأن الثقافي في الحسكة إلى أن الكتاب لم يعد ضمن أولويات العديد من الأسر، بعدما فرضت الأوضاع الاقتصادية إعادة ترتيب الإنفاق نحو الاحتياجات الأساسية، مما أثر مباشرة على سوق بيع الكتب.
القارئ بين الغلاء وتغير الأولويات
يرى المهندس حسن حمدي، وهو قارئ من الحسكة، أن الوصول إلى الكتاب أصبح أصعب بسبب إغلاق المكتبات وارتفاع أسعار الكتب. ويقول: "شراء كتاب واحد أصبح يحتاج إلى التفكير مليًا، وكثير من القراء يؤجلون الشراء أو يبحثون عن نسخ إلكترونية مجانية، رغم أن تجربة القراءة الورقية أكثر متعة".
ويضيف حمدي أن الخيارات المتاحة اليوم أصبحت أقل، مع اختفاء عدد من المكتبات التي اعتاد زيارتها. ويعتبر أن إغلاق المكتبات خسارة لمساحة ثقافية كانت تجمع القراء وتفتح باب النقاش حول الأدب والفكر.
من جانبه، يقول عبد العبد الله، معلم مدرسة، إن تراجع حضور المكتبات أثر على الطلاب، الذين يعتمد الكثير منهم على الهاتف المحمول للحصول على المعلومات. ويرى أن الكتاب الورقي لا يزال يحتفظ بقيمته التعليمية، لكنه أصبح أقل حضورًا في حياة الأجيال الجديدة بسبب ارتفاع أسعاره وتغير أنماط استخدام الوقت.
ويؤكد أن وجود مكتبات نشطة يشجع الطلبة على القراءة خارج المناهج الدراسية، بينما يؤدي تراجعها إلى تقليص فرص الاحتكاك المباشر بالكتاب.
القراءة الإلكترونية تغيّر المشهد
إلى جانب الأوضاع الاقتصادية، برزت القراءة الإلكترونية كعامل مؤثر في عادات القراء، حيث أصبحت الكتب متاحة عبر الإنترنت بصيغ مختلفة، مما دفع البعض إلى الاستغناء عن النسخ الورقية. ويرى مهتمون أن هذا التحول لا يعني تراجع القراءة بحد ذاتها، بل أثر على سوق الكتب الورقية، خاصة في المدن التي تواجه تحديات اقتصادية.
يشير آخرون إلى أن الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي قلّص الوقت المخصص للقراءة الطويلة، لصالح المحتوى السريع والقصير، مما انعكس على حركة المكتبات التقليدية.
مكتبة لا تزال تقاوم
رغم هذا الواقع، لا تزال بعض المكتبات تواصل نشاطها في الحسكة، محافظة على حضورها كفضاءات ثقافية. ومن بين هذه المكتبات، تواصل "مكتبة البصري" عملها في السوق العام، مقدمة عناوين متنوعة في الرواية والأدب والتاريخ والتنمية الذاتية.
يقول صاحب المكتبة، قصي البصري، إن الإقبال على شراء الكتب لم يتوقف، لكنه تأثر بارتفاع أسعار الكتب وتسعيرها بالدولار، وانتشار القراءة الإلكترونية. وأضاف أن المكتبة تحرص على توفير عناوين متنوعة تلبي اهتمامات القراء، من الروايات العربية والأدب العالمي إلى الأدب الروسي والفرنسي.
يعمل البصري في مجال بيع الكتب منذ عام 1994، ويستمر في هذا المجال بدافع شغفه بالكتاب. ويشير إلى أن هناك قراء يواظبون على زيارة المكتبة لاقتناء الإصدارات الجديدة، بينما يزورها آخرون على فترات متباعدة.
ويرى أن الحسكة لا تزال تحتفظ باهتمام ملحوظ بالقراءة مقارنة ببعض المناطق الأخرى، رغم التحديات الاقتصادية. ويدعو الشباب إلى استثمار أوقاتهم في القراءة لتنمية المعرفة وتوسيع الأفق.
تغير في وظيفة المكان
لا يقتصر تأثير تراجع المكتبات على الجانب التجاري، بل يمتد إلى الدور الذي كانت تؤديه كأماكن للقاء القراء وتبادل الأفكار. ففي السابق، كانت زيارة المكتبة جزءًا من النشاط اليومي للعديد من الطلاب والمهتمين بالثقافة، بينما أصبحت هذه الزيارات أقل تكرارًا.
يرى قراء أن اختفاء المكتبات يقلل من حضور الكتاب في الحياة العامة، ويجعل الوصول إليه أقل سهولة، خصوصًا للشباب.
تحديات ومستقبل مفتوح
يرتبط مستقبل المكتبات في الحسكة بقدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتقنية، ومواجهة المنافسة المتزايدة من المحتوى الرقمي وتراجع القدرة الشرائية. وبين مكتبات أغلقت أبوابها، وأخرى غيّرت نشاطها، وبعض الأماكن التي تقاوم للحفاظ على حضور الكتاب الورقي، يبقى المشهد الثقافي في الحسكة أمام تحديات متواصلة، فيما يأمل القراء بأن تستعيد المكتبات دورها كفضاءات للمعرفة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة