سوريا تستلهم من اليابان: دروس التعافي وإعادة البناء بعد الحرب


هذا الخبر بعنوان "وفد حكومي سوري يعاين التجربة اليابانية في التعافي وإعادة البناء" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سعيها لرسم ملامح مرحلة إعادة الإعمار بعد سنوات الحرب، تتجه الأنظار السورية نحو التجارب الدولية الناجحة في تحويل الدمار إلى فرصة للنهوض. وفي هذا السياق، قام وفد حكومي سوري بزيارة رسمية إلى اليابان، حيث اطلع على تجربتي مدينتي كوبي وهيروشيما في التعافي وإعادة البناء. هدفت الزيارة إلى الاستفادة من خبراتهما في مجالات التخطيط العمراني، إدارة الكوارث، والتنمية المستدامة، بالإضافة إلى التشريعات والمشاريع التي حولت هاتين المدينتين إلى نموذج عالمي.
تثير هذه الزيارة تساؤلات حول مدى إمكانية تطبيق النموذج الياباني في إعادة إعمار سوريا، وما إذا كانت تلك التجربة قابلة للتكيف مع الواقع السوري. أكد الأستاذ عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، في تصريح لعنب بلدي، أن التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية تُعد من أبرز التجارب الإنسانية في إعادة البناء والتنمية. وعلى الرغم من اتساع الفجوة بين اليابان وسوريا من حيث الظروف التاريخية، البيئة السياسية، البنية الاجتماعية، والإمكانات المتاحة، فإن المبادئ التي قادت اليابان في مسيرتها من الدمار إلى التنمية تحمل دروسًا عالمية يمكن الاستفادة منها.
وأشار محمد إلى أبرز الدروس العملية المستفادة من التجربة اليابانية:
وفقًا لمحمد، لا يمكن نقل التجربة اليابانية إلى سوريا بصورة حرفية، بل يجب تفكيك النموذج الياباني وإعادة تركيبه بما يتناسب مع الواقع السوري. تواجه سوريا تحديات مختلفة، منها تنوعها الاجتماعي والثقافي، الانقسامات التي خلفها الصراع، اتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، غياب محرك خارجي ضامن للأمن والاستثمار، وتداخل مصالح عدد من الفاعلين الدوليين.
فرص التطبيق وتحديات الواقع:
بالنسبة للجوانب القابلة للتطبيق في سوريا، أشار الخبير الاقتصادي إلى إمكانية الاستفادة من عدد من عناصر التجربة اليابانية، شريطة تعديلها وتكييفها مع الظروف المحلية:
في المقابل، هناك جوانب يصعب تطبيقها في سوريا:
المقومات الاقتصادية لنجاح التجربة اليابانية:
نوه محمد إلى أن أبرز المقومات الاقتصادية التي جعلت تجربة اليابان في إعادة الإعمار ناجحة هي رأس المال البشري الجاهز، حيث خرجت اليابان من الحرب بجيش من المهندسين والفنيين العاطلين عن العمل تم استيعابهم فورًا في عملية البناء. وأشار أيضًا إلى وجود الحاضنة المؤسسية وجهاز دولة بيروقراطي قوي، متماسك، وذو كفاءة عالية، إلى جانب سياسة حكومية لتحويل الدخل للاستثمار عوضًا عن الاستهلاك عبر حزمة من الحوافز المصرفية.
ختم محمد بالقول إن القيمة الحقيقية لتلك التجربة لا تكمن في محاكاة مصانع تويوتا أو قطارات الشينكانسن، بل في استيعاب قدرة أمة على تحويل الإذلال العسكري إلى مجد اقتصادي عبر منظومة قيم ركزت على العلم، الإتقان، والثقة بالمؤسسة العامة. وأضاف أن التحدي السوري يتمحور في إعادة بناء رأس المال الاجتماعي المفتت، وإرساء عقد سياسي-اقتصادي جديد يضمن ألا يكون الإعمار مجرد إعادة إنتاج لدورة الصراع والعنف، بل مشروعًا وطنيًا يحول طاقة التدمير إلى طاقة بناء مستدام.
رغم أن التجربة اليابانية لا يمكن اعتمادها كنموذج جاهز للتطبيق، فإنها تقدم مجموعة من الدروس التي يمكن أن تسهم في رسم ملامح إعادة الإعمار في سوريا. وتشير التجربة اليابانية إلى أن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية لإعادة بناء ما دمر، بل مشروع اقتصادي متكامل يقوم على بناء مؤسسات فاعلة، تنمية رأس المال البشري، تحفيز الاستثمار، وتوجيه الموارد والإمكانيات نحو مشاريع طويلة الأمد.
ورغم التشابه في حجم الدمار والحاجة إلى إعادة البناء، تختلف نقطة الانطلاق بين التجربتين اليابانية والسورية؛ فقد بدأت اليابان مرحلة الإعمار ضمن دولة مستقرة مؤسسيًا تمتلك رأس مال بشري مؤهل، في حين تواجه سوريا تحدي إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات والثقة المجتمعية بالتوازي مع إعادة بناء المدن والبنية التحتية. وبينما تمثل زيارة الوفد السوري إلى اليابان خطوة للاطلاع عن قرب على هذه التجربة والاستفادة من خبراتها، فإن نجاح أي مسار لإعادة الإعمار سيظل مرهونًا بقدرة سوريا على تكييف هذه الدروس مع خصوصية واقعها المحلي، وتحويلها إلى سياسات تنموية تستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها سنوات الحرب.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد