مأساة أطمة: هل يكشف حادث الطفل كنان عن ثغرات متابعة المرضى النفسيين بعد العلاج؟


هذا الخبر بعنوان "حادثة أطمة المأساوية.. هل تفتح ملف متابعة المرضى النفسيين بعد العلاج؟" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يدرك الطفل كنان، البالغ من العمر أحد عشر عاماً، أن الساعات التي قضاها بجوار والده بعد خروجه من مركز للصحة النفسية ستكون الأخيرة في حياته. الطفل، الذي وصفه المقربون بأنه حافظ هادئ للقرآن، اعتاد مرافقة والده ليس خوفاً منه، بل خوفاً عليه. كان يدرك، رغم صغر سنه، أن الرجل الذي استعاد جزءاً من حياته في السنوات الأخيرة لا يزال يحمل تاريخاً طويلاً من المرض النفسي، وأن استقراره قد لا يكون دائماً. لكن هذه العلاقة، التي وصفتها العائلة بأنها تجاوزت رابطة الأبوة إلى شكل من أشكال الرعاية اليومية، انتهت على سطح منزل الأسرة في بلدة أطمة بريف إدلب الشمالي. تشير المعلومات التي حصلت عليها سوريا 24 من مصادر مقربة من العائلة إلى أن الأب أقدم على خنق ابنه بعد ساعات من خروجه من مركز للصحة النفسية في مدينة سرمدا، فيما ظهرت آثار نزف على رقبة الطفل. لا تزال ملابسات الجريمة والدافع المباشر إليها غير معروفة، وتواصل الجهات المختصة تحقيقاتها. لكن القضية، التي تبدو في ظاهرها جريمة قتل داخل أسرة، تجاوزت منذ لحظاتها الأولى حدود الملف الجنائي، لتفتح نقاشاً أوسع حول كيفية التعامل مع المرضى النفسيين بعد انتهاء العلاج، وآليات تقييم خطورة حالتهم قبل خروجهم من المستشفى، ودور الأسرة والمؤسسات الصحية في الحد من مخاطر الانتكاسة.
خلال السنوات الخمس الماضية، بدا محمد، وفق روايات أفراد عائلته، وكأنه استعاد جزءاً كبيراً من حياته الطبيعية. عاد إلى مهنة التدريس، واستأنف إعطاء دروس الرياضيات، وبنى منزلاً، واشترى سيارة، وهي خطوات اعتبرها المقربون دليلاً على أن المرض الذي لازمه سنوات طويلة أصبح تحت السيطرة. ويقول أفراد من الأسرة إنه لم يحتج خلال تلك الفترة إلى دخول مركز للصحة النفسية سوى مرة واحدة، الأمر الذي عزز لدى محيطه الاعتقاد بأن مرحلة الاضطراب الحاد أصبحت خلفه. وبعد انفصاله عن زوجته، تولى تربية ابنه الوحيد بمساندة والديه، وكان يكرر أمام المقربين أنه يعيش من أجل كنان. أما الطفل، فكان ملازماً لوالده بصورة شبه دائمة. لم يكن ذلك بدافع الخوف، بل بدافع المسؤولية التي فرضتها ظروف المرض. كان يراقب حالته، ويطمئن عليه، ويحرص على بقائه إلى جانبه، حتى بات كثيرون يرون أن العلاقة بينهما تجاوزت شكلها التقليدي، ليصبح الطفل، بصورة غير معلنة، جزءاً من شبكة الرعاية اليومية لوالده. غير أن هذا الاستقرار، الذي بدا واضحاً للعائلة وللمحيطين به، لم يكن يعني بالضرورة انتهاء الاضطراب النفسي أو زوال احتمال عودته.
بحسب مصادر مقربة من الأسرة، تعرض الأب خلال السنوات الماضية لعدة نوبات اضطراب نفسي حادة. وتقول المصادر إن إحدى تلك النوبات انتهت باعتدائه على والده، الذي نُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج، في وقت تزامنت فيه تلك المرحلة مع انفصاله عن زوجته. وتضيف أن نوبة أخرى وقعت قبل نحو شهر من الجريمة، حين اعتدى، بحسب روايتها، على أحد العمال داخل منزله، بعدما رماه بكتلة إسمنتية، ثم حاول ذبحه بسكين. وعقب تلك الحادثة، أُدخل إلى مركز للصحة النفسية في مدينة سرمدا، حيث أمضى قرابة شهر تحت العلاج. وتشير المعلومات التي حصلت عليها سوريا 24 إلى أنه غادر المركز قبل ساعات قليلة فقط من وقوع الجريمة. ولا يعني هذا التسلسل الزمني، في حد ذاته، وجود خطأ طبي أو تقصير في قرار التخريج، إلا أنه جعل هذا القرار محوراً رئيسياً في التحقيقات والأسئلة التي أثارتها القضية، ولا سيما في ظل غياب أي معلومات رسمية حول التشخيص الطبي، أو نتائج تقييم الخطورة، أو خطة المتابعة التي كان يُفترض تنفيذها بعد خروج المريض من المركز. وبين لحظة مغادرة المستشفى ووقوع الجريمة، لم يفصل سوى وقت قصير، لتتحول المدة الزمنية القصيرة بين الحدثين إلى واحدة من أبرز النقاط التي يُنتظر أن تتناولها التحقيقات القضائية والطبية.
في الأيام التي أعقبت الجريمة، لم تقتصر الأسئلة على ما حدث داخل منزل العائلة، بل امتدت إلى ما سبق ذلك بساعات، وتحديداً إلى الظروف التي غادر فيها الأب مركز الصحة النفسية في مدينة سرمدا. ولهذا تواصلت سوريا 24 مع إدارة المركز، طالبة توضيحات حول الإجراءات الطبية التي سبقت قرار التخريج، وطبيعة التقييم الذي خضع له المريض، وآلية تقدير مستوى الخطورة قبل السماح له بمغادرة المركز. كما استفسرت عن البروتوكولات المعتمدة في مثل هذه الحالات، وما إذا كانت تتضمن إعداد خطة علاجية لما بعد الخروج، وجدولاً للمراجعات الدورية، وإرشادات تُقدم للأسرة بشأن التعامل مع أي تغيرات سلوكية قد تطرأ على المريض. إلا أن إدارة المركز اكتفت بالقول إن الملف الطبي للمريض يخضع لأحكام السرية الطبية، وإن أي اطلاع عليه أو إفصاح عن تفاصيله يتطلب إذناً من النيابة العامة، التزاماً بالقواعد القانونية الناظمة لحماية البيانات الصحية. ولم تجب الإدارة عن الأسئلة المتعلقة بالإجراءات العامة المتبعة قبل تخريج المرضى أو آليات تقييم الخطورة، الأمر الذي أبقى عدداً من النقاط الأساسية من دون إجابة. ومن بين هذه الأسئلة: هل استند قرار التخريج إلى تقييم سريري شامل؟ وهل وُضعت للمريض خطة متابعة واضحة بعد خروجه؟ وهل تلقت الأسرة إرشادات تتعلق بالالتزام بالعلاج، ومواعيد المراجعة، والعلامات التي تستوجب مراجعة الطبيب أو إعادة إدخال المريض إلى المستشفى؟
لا يقتصر التحقيق في القضية على تحديد كيفية وقوع الجريمة، بل يمتد أيضاً إلى سؤال قانوني أكثر تعقيداً يتعلق بمدى أهلية الأب للمساءلة الجزائية وقت ارتكابها. ويرى محامٍ يعمل في إحدى المديريات التابعة لوزارة العدل، فضّل عدم نشر اسمه لاعتبارات وظيفية، أن أول ما ستبحثه الجهات القضائية هو الحالة النفسية للمتهم لحظة وقوع الجريمة، لأن ذلك يحدد طبيعة مسؤوليته القانونية. ويقول إن ثبوت إصابة المتهم، وقت ارتكاب الفعل، بمرض نفسي أو اضطراب ذهاني أفقده الإدراك أو الإرادة، يجعل القضية خاضعة لأحكام المادة (211) من قانون العقوبات السوري، التي تقضي بانتفاء المسؤولية الجزائية عن الشخص الذي يكون فاقداً للإدراك بسبب المرض العقلي، مع إخضاعه للتدابير الاحترازية العلاجية التي يقررها القضاء، بدلاً من العقوبات الجزائية التقليدية. ويُوضح أن المادة (240) من قانون العقوبات تنص على أن العذر المُحل يعفي الفاعل من العقاب، إلا أن حالات المرض النفسي لا تُبنى، من الناحية القانونية، على مفهوم العذر المُحل، وإنما على انتفاء المسؤولية الجزائية بسبب انعدام أو نقص الأهلية الجنائية، وهو ما تحدده حصراً الخبرة النفسية القضائية. ويُشدد على أن تشخيص المرض وحده لا يكفي لإعفاء المتهم من المسؤولية، بل إن الفيصل هو ما إذا كان المرض قد أفقده، وقت ارتكاب الجريمة، القدرة على الإدراك أو الاختيار.
ولا يقف التحقيق، بحسب المحامي، عند حدود مسؤولية الأب، بل قد يمتد إلى مراجعة جميع الإجراءات التي سبقت خروجه من مركز الصحة النفسية. ويقول إن الجهات القضائية ستبحث في الأساس الطبي الذي استند إليه قرار التخريج، ومدى التزام الفريق المعالج بالأصول المهنية والبروتوكولات الطبية الخاصة بتقييم الخطورة، واستقرار الحالة، وإعداد خطة العلاج والمتابعة بعد الخروج. وإذا أثبتت التحقيقات وجود مخالفة مهنية، فقد يفتح ذلك باب المساءلة التأديبية أمام وزارة الصحة أو نقابة الأطباء، حيث تتولى الجهات المختصة التحقيق في أداء الطبيب المعالج وإدارة المركز، وتوقيع العقوبات المناسبة إذا ثبت وقوع مخالفة، والتي قد تتدرج من الإنذار والمنع المؤقت من مزاولة المهنة إلى شطب الطبيب من جدول الأطباء في الحالات التي تثبت فيها المخالفات الجسيمة، وفقاً للقوانين والأنظمة النافذة. أما إذا خلصت التحقيقات إلى وجود علاقة سببية مباشرة بين إهمال مهني جسيم ووقوع الوفاة، فقد تُثار أيضاً المسؤولية الجزائية استناداً إلى المادة (550) من قانون العقوبات السوري، التي تعاقب على التسبب بالوفاة نتيجة الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة، بعقوبة قد تصل إلى الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وذلك إذا ثبتت جميع أركان المسؤولية أمام القضاء. ويؤكد المحامي أن هذا المسار يبقى مشروطاً بنتائج التحقيقات والخبرات الطبية، إذ إن مجرد وقوع الجريمة بعد خروج المريض من المركز لا يكفي، قانوناً، لإثبات وجود خطأ طبي أو مسؤولية جزائية بحق الطبيب أو المؤسسة العلاجية. كما يشير إلى أن التحقيق قد يشمل مراجعة الظروف الإدارية التي أحاطت بقرار التخريج، للتأكد من سلامة الإجراءات المتبعة، وما إذا كانت جميع القرارات قد اتُّخذت وفق الأصول الطبية والقانونية، من دون أن يعني ذلك افتراض وجود مخالفة أو تواطؤ قبل ظهور الأدلة.
بعيداً عن الجدل القانوني، يرى الداعم النفسي عبد الناصر اليوسف أن الحكم على أي حادثة ترتبط باضطراب نفسي يجب أن يستند إلى تقييم طبي متخصص، وليس إلى الانطباعات المتداولة، موضحاً أن الاضطرابات النفسية الشديدة، ومنها الحالات التي قد تصل إلى أعراض ذهانية أو فصامية، تستوجب تدخلاً مباشراً من طبيب نفسي يحدد الحاجة إلى العلاج الدوائي أو الإدخال إلى المستشفى. وأوضح اليوسف أن قبول المريض في مستشفى للأمراض النفسية يعني أن حالته استدعت رعاية تخصصية، ما يفرض على الفريق الطبي إعداد خطة علاجية متكاملة تشمل العلاج الدوائي، والتقييم النفسي المستمر، ومراقبة تطور الأعراض قبل اتخاذ قرار الخروج. وأضاف أن قرار تخريج المريض لا يُتخذ إلا بعد تقييم سريري متكرر يحدد مدى استقرار الحالة، مشيراً إلى أن الطبيب النفسي يُزوّد المريض عند خروجه بخطة علاج دوائية، وجدول للمراجعات، إلى جانب برنامج تثقيفي لمقدمي الرعاية حول كيفية متابعة الحالة، ورصد أي تدهور، والتواصل الفوري مع الطبيب عند ظهور أعراض جديدة. وأشار إلى أن الأسرة تتحمل جزءاً من المسؤولية إذا لم تلتزم بخطة العلاج والمتابعة الطبية، موضحاً أن الالتزام بتناول الأدوية، والحضور إلى المراجعات الدورية، والإبقاء على المريض تحت المراقبة وفق خطة للأمن والسلامة، تمثل عناصر أساسية للحد من مخاطر الانتكاسة أو السلوك العنيف. ولفت إلى أن بعض الحالات النفسية الشديدة، بما فيها بعض حالات الاضطراب ثنائي القطب المصحوبة بأعراض حادة، قد تستوجب إعادة إدخال المريض إلى المستشفى إذا لم تحقق الخطة العلاجية النتائج المطلوبة، أو إذا تبيّن أن شدة الأعراض ما تزال تشكل خطراً على المريض أو من حوله. وأضاف أن مسؤولية المتابعة لا تقتصر على الفريق الطبي، بل تقوم على شراكة بين الفريق الطبي ومقدمي الرعاية، ومدى التزام الطرفين بالخطة العلاجية، مؤكداً أن أي تقصير في تنفيذ التعليمات الطبية قد يزيد من احتمالات تدهور الحالة. ودعا اليوسف إلى تعزيز الوعي المجتمعي بالصحة النفسية، والإقرار بالاضطرابات النفسية بوصفها أمراضاً تحتاج إلى علاج متخصص، مشدداً على أهمية مراجعة أقرب مركز للصحة النفسية عند ملاحظة تغيرات واضحة في السلوك أو التفكير. كما أوصى بتسهيل وصول المواطنين إلى خدمات الصحة النفسية عبر أرقام ساخنة وخدمات إحالة واضحة، وزيادة عدد الكوادر المتخصصة في مراكز الصحة النفسية بالمحافظات والأرياف، ودمج خدمات الصحة النفسية ضمن مراكز الرعاية الصحية الأولية، إلى جانب تدريب العاملين في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي على تقييم الحالات وإدارة الحالة والتعامل مع المرضى وفق بروتوكولات مهنية، وتدريب العاملين في القطاع الصحي على مبادئ الإسعاف النفسي الأولي.
لا تضع منظمة الصحة العالمية مدة زمنية ثابتة لبقاء المريض في المستشفى، كما لا تربط قرار التخريج بعدد الأيام التي قضاها تحت العلاج، وإنما تشدد على أن القرار يجب أن يستند إلى تقييم سريري شامل، يراعي استقرار الحالة، ودرجة الخطورة، وإمكانية استمرار العلاج خارج المستشفى. وتوصي المنظمة بأن يسبق خروج المرضى الذين يعانون اضطرابات نفسية شديدة إعداد خطة متابعة واضحة، تتضمن مواعيد المراجعة، والعلاج الدوائي، وآلية التواصل مع الفريق الطبي عند ظهور أي أعراض جديدة، مع إشراك الأسرة في هذه الخطة بوصفها شريكاً أساسياً في الرعاية. كما تؤكد المبادئ الدولية للصحة النفسية أن العودة إلى المجتمع لا تعني انتهاء مسؤولية المؤسسة العلاجية، بل انتقالها إلى مرحلة أخرى تقوم على الرعاية المستمرة، والقدرة على التدخل السريع عند الحاجة.
رغم الاهتمام الذي تحظى به الجرائم المرتبطة بالمرض النفسي، لا توجد إحصاءات سورية رسمية توثق عدد هذه الحوادث أو طبيعة الأمراض التي يعاني منها مرتكبوها، ما يجعل تقييم حجم الظاهرة أمراً بالغ الصعوبة. وعلى المستوى الدولي، تشير تقارير علمية إلى أن جرائم القتل التي يرتكبها أشخاص يعانون اضطرابات نفسية شديدة تبقى نادرة نسبياً، وأن نسبة كبيرة منها ترتبط بانقطاع العلاج أو بغياب المتابعة الطبية، أكثر من ارتباطها بالتشخيص النفسي نفسه. ويقول باحثون إن غياب قواعد بيانات دقيقة يحول دون استخلاص نتائج عامة من الحالات الفردية، ويجعل كل قضية بحاجة إلى تقييم مستقل يستند إلى ظروفها الخاصة، بعيداً عن التعميم.
انتهت حياة كنان خلال ساعات، لكن الأسئلة التي خلّفتها الجريمة قد تبقى مفتوحة لأشهر، وربما لسنوات. وبين تقرير الطب الشرعي، والتقييم النفسي، ونتائج التحقيق، وما ستخلص إليه المحكمة، لن يقتصر مسار العدالة على تحديد المسؤولية الجنائية فحسب، بل قد يجيب أيضاً عن سؤال ظل حاضراً منذ الساعات الأولى للجريمة: هل كان بالإمكان تفادي هذه المأساة لو توفرت آليات أكثر فاعلية لمتابعة المرضى النفسيين الذين قد يشكلون خطراً على أنفسهم أو على محيطهم؟ كما تطرح القضية تساؤلات أوسع حول قدرة الحكومة على تطوير منظومة للصحة النفسية توفر بيئة آمنة للمرضى، وتحمي في الوقت ذاته ذويهم والمجتمع، من خلال بروتوكولات واضحة للتقييم والمتابعة والتدخل عند الضرورة، والاستفادة من التجارب والممارسات المعتمدة في الدول التي طورت أنظمة متقدمة لإدارة الحالات النفسية عالية الخطورة، بما يحقق التوازن بين حقوق المرضى ومتطلبات السلامة العامة.
صحة
صحة
صحة
صحة