تخفيض الفيول الصناعي في سوريا: دفعة للإنتاج أم وهم لخفض الأسعار؟


هذا الخبر بعنوان "خفض الفيول الصناعي.. متنفس للإنتاج لا وصفة لخفض الأسعار" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعلنت وزارة الطاقة السورية عن قرار بتخفيض سعر طن الفيول الصناعي من 475 دولارًا إلى 400 دولار، بهدف تنشيط عجلة الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج المحلي في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة. وأوضح وزير الطاقة السوري، محمد البشير، عبر منصة “إكس” يوم الخميس 30 تموز، أن هذا القرار يأتي تأكيدًا على حرص الوزارة على دعم الصناعة الوطنية، حيث تم توجيه بتخفيض سعر طن الفيول الصناعي لتخفيف تكاليف الإنتاج على الصناعيين وتشجيعهم على استمرار دوران عجلة الإنتاج، مما سينعكس إيجابًا على السوق والمستهلك.
يأتي هذا الإجراء في وقت تواجه فيه البيئة الإنتاجية ارتفاعًا في تكاليف التشغيل والطاقة والنقل، مما يثير تساؤلات حول مدى التأثير الفعلي لهذا التخفيض على تكاليف الإنتاج وأسعار السلع النهائية، وقدرته على الحد من التضخم ومنح المنتج السوري ميزة تنافسية أمام البضائع المستوردة.
يرى خبراء الاقتصاد أن تأثير هذا القرار على أسعار المنتجات النهائية يعتمد بشكل كبير على الوزن النسبي لتكلفة الطاقة ضمن هيكل التكلفة الإجمالية. وفي هذا السياق، صرح الباحث في الاقتصاد والطاقة، الدكتور مصعب شبيب، لـ”عنب بلدي” بأن نسبة تكلفة الطاقة تتراوح عادة بين 20% و40% من إجمالي تكاليف الإنتاج في الصناعات كثيفة الاستهلاك مثل الأسمنت والحديد والمواد الإنشائية، وذلك تبعًا لنوع الصناعة وكفاءة خطوط الإنتاج.
وأوضح شبيب أنه في حال وجود معمل متوسط لصهر وإعادة تدوير الحديد في مدينة حسياء الصناعية ينتج حوالي 5 أطنان يوميًا ويستهلك طنًا واحدًا من الفيول، فإن تخفيض سعر الفيول سيؤدي إلى انخفاض في فاتورة الوقود بمقدار 75 دولارًا يوميًا، أي ما يعادل حوالي 2250 دولارًا شهريًا. وأشار إلى أن هذا الوفر، رغم أنه قد يبدو محدودًا مقارنة بإجمالي النفقات، إلا أنه يمثل متنفسًا ماليًا في بيئة صناعية تعاني من ضغوط كبيرة، مما قد يحسن هامش الربحية، أو يسمح بزيادة الإنتاج، أو يخفف الضغوط على الأسعار.
على الرغم من أهمية القرار، استبعد الخبراء حدوث انخفاض كبير وفوري في أسعار السلع. وأوضح الدكتور مصعب شبيب أن انعكاس انخفاض تكاليف الطاقة على أسعار السلع في الأسواق السورية يحتاج في الظروف العادية إلى فترة تتراوح بين شهر وشهرين في القطاعات سريعة الدوران، وقد تصل إلى ثلاثة أو أربعة أشهر في الصناعات التي تعتمد على مخزون سابق أو عقود توريد طويلة الأجل. وأكد أن هذه التقديرات تقريبية، وأن السوق السورية تمر بمرحلة انتقالية تجعل أي توقع زمني محفوفًا بعدم اليقين.
وأضاف أن أي اضطرابات إقليمية، أو ارتفاع عالمي في أسعار النفط، أو تقلبات في سعر الصرف، أو زيادة في تكاليف النقل والتأمين، قد تؤدي إلى إبطاء انتقال أثر انخفاض تكلفة الفيول، بل وربما تمحو جزءًا من أثره قبل وصوله إلى المستهلك النهائي. وأشار شبيب إلى ما وصفه بـ”ذاكرة الحرب الاقتصادية”، حيث يفضل المنتجون والتجار الاحتفاظ بهوامش أمان مالية تحسبًا لأي صدمة مستقبلية، بالإضافة إلى غياب هيئة فعّالة للمنافسة ومنع الاحتكار، مما يحد من سرعة انتقال انخفاض التكاليف إلى الأسعار.
في ظل معاناة الاقتصاد السوري من موجات تضخمية، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة هذا القرار على المساهمة في كبح جماح التضخم. ويرى الدكتور مصعب شبيب أن هذه الخطوة إيجابية لتخفيف تكاليف الإنتاج، لكنها بمفردها لن تكون كافية لإحداث انخفاض ملموس في معدلات التضخم، نظرًا لأن التضخم في سورية ظاهرة مركبة تشكلت بفعل عوامل داخلية وخارجية على مدى سنوات.
وأوضح أن تعدد العملات المتداولة في السوق السورية (الليرة الجديدة والقديمة، والدولار، والليرة التركية) خلق تشوهات في التسعير وزاد من فرص المضاربة واختلاف الأسعار، إضافة إلى التقلبات المتكررة في أسعار المحروقات وغياب آلية تسعير مستقرة. وضرب مثالًا توضيحيًا: إذا انخفضت تكلفة إنتاج طن من مواد البناء بنسبة 5% نتيجة تراجع سعر الفيول، ثم ارتفعت تكاليف النقل بنسبة 10% أو تراجع سعر الصرف بما يزيد تكلفة المواد المستوردة، فإن المستهلك قد لا يلمس أي انخفاض في السعر النهائي، بل قد يواجه زيادة جديدة.
ولذلك، أكد شبيب أن معالجة التضخم تتطلب رؤية شاملة تستهدف استقرار سعر الصرف، وتوحيد بيئة التداول النقدي، واستقرار سياسة تسعير الطاقة، وتعزيز المنافسة، والحد من التشوهات في حلقات التوزيع.
من وجهة نظر اقتصادية، يرى شبيب أن الهدف الرئيسي من تخفيض سعر الفيول ليس بالضرورة دفع أسعار المنتجات المحلية إلى الانخفاض، بل تحفيز دوران عجلة الإنتاج ومنح الصناعي السوري متنفسًا ماليًا يمكنه من الاستمرار والتوسع. وأوضح أن الوفر الناتج عن تخفيض سعر طن الفيول يتحول عمليًا إلى ربح إضافي يمكن توجيهه لزيادة الإنتاج، أو صيانة خطوط التصنيع، أو توظيف عمالة جديدة، أو تعزيز السيولة، أكثر من كونه سيترجم مباشرة إلى تخفيض في أسعار البيع.
أما عن منح المنتج السوري ميزة سعرية حقيقية أمام البدائل المستوردة، اعتبر شبيب أن هذا التخفيض وحده لا يكفي، فالمنافس الصناعي في دول مثل تركيا يعمل ضمن بيئة إنتاج أكثر استقرارًا، إذ يستفيد من تمويل أقل كلفة، وطاقة أكثر استقرارًا، وسلاسل توريد منتظمة، وخدمات نقل ولوجستية أقل تكلفة. وخلص إلى أن قرار تخفيض الفيول ينبغي النظر إليه باعتباره أداة لدعم المنتج السوري لا أداة لحمايته، مشددًا على أن استعادة القدرة التنافسية تحتاج إلى حزمة إصلاحات متكاملة تشمل استقرار أسعار الطاقة، وتخفيض تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، وتسهيل الحصول على المواد الأولية والتمويل، إضافة إلى بناء سمعة إيجابية للمنتج الوطني.
حول ثبات السعر الجديد للفيول الصناعي (400 دولار) من عدمه، قال الدكتور مصعب شبيب إنه من غير المرجح أن يكون هذا السعر ثابتًا على المدى الطويل، بل من المتوقع أن يكون سعرًا ديناميكيًا يخضع للمراجعة الدورية وفق معطيات السوق، خاصة بعد تشكيل وزارة الطاقة للجنة تسعير المحروقات. وأضاف أن الصناعي لا يطالب بالضرورة بأن يبقى الفيول عند 400 دولار دائمًا، وإنما يحتاج إلى آلية واضحة وشفافة يمكن التنبؤ بها، بحيث يستطيع إعداد موازناته وخطط الإنتاجية على أسس مستقرة. وشدد على أن استقرار الصناعة لا يرتبط بثبات الرقم 400 دولار بقدر ما يرتبط باستقرار وشفافية سياسة التسعير نفسها، لأن وضوح القواعد الاقتصادية أهم من ثبات السعر في حد ذاته.
أما عن انعكاس هذا القرار على القطاعات الخدمية واللوجستية التي تعتمد على الصناعة المحلية، رأى شبيب أن هذا الأثر سيكون غير مباشر، لكنه حقيقي. وقال إن الاقتصاد يعمل كسلسلة مترابطة، فعندما ترتفع وتيرة الإنتاج في المصانع، تنشط معها شركات النقل، ومراكز التخزين، وورش الصيانة، وموردو قطع الغيار، وحتى خدمات المحاسبة والتأمين والمناولة. وقدم مثالًا لمعمل متوسط لإعادة تدوير البلاستيك، إذا وفر القرار عليه أكثر من 1000 دولار شهريًا من فاتورة الفيول، فقد يقرر استثمار هذا الوفر في شراء كمية إضافية من المواد الخام، ما يعني زيادة الإنتاج بنسبة 20%، وبالتالي زيادة عدد رحلات الشاحنات، وارتفاع الطلب على الصيانة والزيوت وقطع الغيار، والتعاقد مع ناقل إضافي أو تشغيل عمال جدد.
واختتم شبيب تحليله بالتأكيد أن الأثر الحقيقي لهذا التخفيض سيظهر إذا تحول إلى جزء من سياسة اقتصادية متكاملة تستهدف تنشيط الإنتاج الصناعي، لأن كل منشأة تزيد إنتاجها لا تخلق قيمة مضافة داخل أسوارها فقط، بل تحرك عشرات الأنشطة الخدمية المرتبطة بها، وهو ما يشكل أحد أهم مؤشرات التعافي الاقتصادي الحقيقي.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد