سوريا الجديدة: بين السيطرة الأمنية ومأزق بناء الدولة والمواطنة


هذا الخبر بعنوان "سوريا الجديدة.. بين نجاعة السيطرة ومأزق التأسيس" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، أعاد خالد المطلق صياغة تاريخ الشرق الأوسط، ليس فقط لانهيار منظومة الأسد السريع بعد أكثر من خمسة عقود، بل لوضع السوريين أمام تحدٍ تاريخي: كيفية تحويل جغرافيا الحرب وفوضى الدولة الأمنية المتفككة إلى مشروع حكم وتأسيس حقيقي.
في قلب هذه التحولات، برزت “هيئة تحرير الشام” بقيادة أحمد الشرع، ممسكة بزمام الأمور مؤقتًا، مدفوعة ببراغماتية عالية وسعي للحصول على اعتراف محلي ودولي. يطرح هذا التحول السريع سؤالاً جوهريًا: هل نشهد ولادة دولة مواطنة ومؤسسات من رحم الركام، أم انزلاقًا نحو إعادة إنتاج السلطوية بثوب جديد؟
خلال عامي 2025 و2026، أظهرت السلطة الجديدة نجاحًا في “السيطرة التشغيلية”، متجنبة سيناريوهات الفوضى والانهيار التي شهدتها تجارب عربية أخرى. فرضت قيادة الشرع الانضباط، وحمت المرافق العامة، وأمنت الخدمات الأساسية، وجمعت السلاح المنفلت. كما أدارت ملفاتها الخارجية ببراغماتية، فأقصت النفوذ الإيراني، وفتحت قنوات تواصل مع واشنطن والعواصم العربية، بالتوازي مع التنسيق الأمني مع أنقرة وتفكيك شبكات تهريب المخدرات.
لكن هذا النجاح الإجرائي جاء على حساب التعددية والشرعية السياسية. اعتمدت السلطة على “النجاعة والسيطرة” كبديل للشرعية الانتخابية أو التوافق الوطني. ورغم الاستعانة بحكومات تكنوقراط وشخصيات مستقلة ظاهريًا، فإن مفاتيح القرار السيادي والأمني لا تزال تُدار في غرف مغلقة. يتجلى ذلك في القطاع الأمني، حيث حلّ “الأمن العام” التابع للهيئة محل الأجهزة القديمة دون إصلاح هيكلي حقيقي يضمن سيادة القانون أو يفتح المساحة أمام الإعلام المستقل والمجتمع المدني.
في ملف العدالة الانتقالية، استُعيض عن المحاسبة الشاملة وكشف مصير المفقودين بتسويات أمنية ومالية فردية وغير شفافة. يواجه المواطن واقعًا معيشيًا ضاغطًا وأزمة اقتصادية طاحنة، فغياب التعافي الاقتصادي الحقيقي مرهون برفع العقوبات الدولية وجذب الاستثمارات، وهو ما يتطلب تنازلات سياسية ودستورية وحقوقية لم تبدِ القيادة الجديدة استعدادًا كاملاً لتقديمها.
تكرر المشهد المأساوي قبيل وفي أثناء انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب، حيث حاولت السلطة تقويض المؤسسات التشريعية وربطها بالتنفيذية لخدمة مشاريع خاصة. تزداد المعادلة حرجًا أمام الضغوط الخارجية المتشابكة وانتهاكات السيادة. يضع النفوذ التركي المتعاظم استقلالية القرار الوطني أمام اختبار التبعية، بينما تستغل إسرائيل التغيرات الميدانية لفرض واقع أمني جديد. تكتفي السلطة بدبلوماسية البيانات تجنبًا لمواجهة غير متكافئة.
تتعامل القوى الكبرى، واشنطن وموسكو، مع دمشق بأسلوب “إدارة المخاطر المشروطة”، معلقة الاندماج الدولي على خطوات عملية في مكافحة الإرهاب وإرساء نظام حكم دستوري وضمان حقوق جميع المكونات المجتمعية.
تقييم تجربة سوريا بعد سقوط نظام الأسد يكشف مفارقة حادة: نجحت السلطة الجديدة في حماية الجسد التنظيمي للدولة وفرض هيبة أمنية، لكنها تعثرت في صياغة عقد اجتماعي جامع. استبدال الاستبداد القديم بسلطوية براغماتية قد يمنح هدوءًا مؤقتًا، لكنه لن يبني استقرارًا مستدامًا. بدون جرأة للتخلي عن احتكار القوة والانتقال نحو دولة المؤسسات وسيادة القانون والمواطنة المتساوية، ستظل سوريا الجديدة معلقة بين وعود التحرير وإشكالات التأسيس.
سياسة
ثقافة
ثقافة
سياسة