تسعيرة القطن الجديدة بـ85 ليرة للكيلو: هل تكفي لتغطية تكاليف الإنتاج المتزايدة؟


هذا الخبر بعنوان "تسعيرة جديدة للقطن.. هل تغطي 85 ليرة تكاليف الإنتاج؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
حددت إدارة دعم الإنتاج الزراعي، يوم الثلاثاء 4 آب، سعر شراء محصول القطن المحبوب لموسم 2025 بـ 85 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام الواحد. وسيتم تسليم الإنتاج من قبل المزارعين عبر مراكز الاستلام التابعة للمؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان. ووفقًا لوزارة الزراعة، سيتحمل صندوق دعم الإنتاج الزراعي 30 ليرة سورية جديدة من سعر الكيلوغرام، بينما ستدفع المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان، التابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة، 55 ليرة، ليصبح السعر الإجمالي 85 ليرة للكيلوغرام.
يأتي هذا القرار في ظل مواجهة مزارعي القطن لارتفاع متزايد في تكاليف مستلزمات الإنتاج، بدءًا من البذار والأسمدة والمبيدات والمحروقات، وصولًا إلى أجور العمال والري والقطاف والنقل. وتأتي هذه الزيادة في التكاليف بالتزامن مع تراجع الدعم الزراعي المباشر خلال السنوات الماضية.
استقصت صحيفة عنب بلدي آراء مزارعين في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، وهي من أبرز مناطق زراعة القطن في سوريا، للوقوف على مدى توافق السعر المحدد مع تكاليف الإنتاج. وأوضح مهندس زراعي أن ارتفاع تكاليف الزراعة لا يرتبط بمستلزمات الإنتاج فقط، بل يتأثر أيضًا بحجم المخاطر التي يتحملها المزارع خلال الموسم، لا سيما مخاطر الآفات والحاجة إلى الري.
يرى مزارعون في مناطق إنتاج القطن أن السعر المحدد لا يكفي لتغطية تكاليف الموسم، خصوصًا في حال استمرار شراء المحروقات ومستلزمات الإنتاج من الأسواق الحرة. وعبر المزارع أحمد السلامة، من ريف الحسكة، عن عدم رضاه عن سعر شراء الكيلوغرام الواحد بـ 85 ليرة سورية جديدة، مشيرًا إلى أن المزارعين اضطروا خلال الموسم الماضي والموسم الحالي إلى شراء البذار والسماد والمبيدات والمازوت من الأسواق الحرة بأسعار مرتفعة.
وأوضح السلامة أن تكاليف زراعة القطن تتجاوز مجرد شراء مستلزمات الإنتاج، إذ يتحمل المزارع أجور غرس البذار وتعشيب المحصول وقطافه لاحقًا، إلى جانب أجور النقل وتكاليف الحراثة وإصلاح محركات الري. وتزداد الأعباء، بحسب المزارع، في الحالات التي لا يملك فيها الفلاح الأرض أو يعتمد على شراكة مع صاحبها، ما يقلص العائد النهائي الذي يصل إلى المزارع.
ويربط السلامة تراجع زراعة القطن خلال السنوات الأخيرة بارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب الدعم الحكومي، إلى جانب الجفاف الذي شهدته مناطق واسعة خلال السنوات الماضية. ويحتاج القطن إلى كميات كبيرة من المياه مقارنة بمحاصيل أخرى، ما يجعل تأمين الري عاملًا أساسيًا في قرار الفلاح زراعته من عدمه، ولا سيما في المناطق التي تعتمد على الآبار أو مشاريع الري التي تحتاج إلى محروقات وصيانة مستمرة.
ربط المزارع سعيد الأحمد تقييم السعر المحدد بموقف الحكومة من دعم المازوت والأسمدة والمبيدات. وقال الأحمد إن سعر 85 ليرة للكيلوغرام لا يُعد جيدًا في حال استمرار سعر المازوت على مستواه الحالي، لكنه قد يصبح مقبولًا في حال تأمين المحروقات المدعومة للمزارعين. وأضاف أن المزارعين يحتاجون إلى توفير الأسمدة والمبيدات الحشرية بأسعار مناسبة خلال الموسم، موضحًا أن السعر الحالي، في حال عدم وجود دعم للمازوت، لا يكفي سوى لتغطية أجزاء من تكاليف تعشيب الأرض وغرس البذار وفلاحتها.
وبالنسبة للأحمد، فإن وصول السعر إلى مستوى يمكن للمزارع أن يقبله يرتبط بحزمة الدعم كاملة، وليس بسعر شراء المحصول وحده، إذ إن ارتفاع سعر المدخلات يلتهم جزءًا كبيرًا من الإيرادات التي يحصل عليها المزارع عند تسليم محصوله. وقال إن دعم المازوت والأسمدة والمبيدات يمكن أن يجعل سعر الشراء “مقبولًا”، بينما يصبح السعر غير كافٍ في حال اضطر المزارع إلى شراء هذه المواد بأسعار السوق الحرة.
وتبرز هذه النقطة اختلافًا بين احتساب سعر شراء المحصول على أساس تكلفة إنتاج تقديرية، وبين التكلفة التي يواجهها المزارع فعليًا في السوق، إذ يمكن لتغير سعر المحروقات أو الأسمدة أو أجور العمال خلال الموسم أن يرفع التكلفة النهائية بصورة أكبر من التقديرات الموضوعة عند تحديد سعر الشراء.
في ريف الرقة، يعتبر المزارع حسين الجربوع أن السعر المحدد لا يتناسب مع التكاليف الفعلية التي يتحملها المزارع، ولا يغطي مصاريف الإنتاج والقطاف. وقال الجربوع إن تكاليف الزراعة ارتفعت في مختلف مراحل الموسم، بما يشمل البذار والأسمدة والمحروقات وأجور الري والمكافحة، إضافة إلى أجور جني القطن والعمال والنقل. وقدّر المزارع تكلفة زراعة الدونم الواحد بنحو 190 دولارًا، موزعة بين مستلزمات وخدمات مختلفة، بينها السماد والبذار والفلاحة والأدوية والمبيدات وأجور القطاف والنقل والمازوت.
وبحسب تقديراته، تصل تكلفة السماد إلى نحو 40 دولارًا، والبذار إلى 20 دولارًا، وفلاحة الأرض بالجرار إلى 20 دولارًا، بينما تبلغ تكلفة الأدوية والمبيدات نحو 10 دولارات، وقطاف القطن نحو 30 دولارًا للعامل، إضافة إلى نحو ثلاثة دولارات للنقل و40 دولارًا للمازوت في المشاريع التي تعتمد على الآبار الارتوازية والأنهار. وتضاف إلى هذه المصاريف، بحسب الجربوع، حصة تُدفع في بعض الحالات للفلاح أو صاحب الأرض وفق طبيعة الشراكة، ما يجعل العائد النهائي أقل من إجمالي قيمة المحصول.
ويشير الجربوع إلى أن إنتاج الدونم يصل، وفق تقديره، إلى نحو 300 كيلوغرام، معتبرًا أن قيمة الإنتاج وفق سعر الشراء الحكومي لا تعطي المزارع هامشًا كافيًا لتغطية تكاليفه وتحقيق ربح. ويرى أن مقارنة السعر المحلي بالسعر العالمي تُظهر اتساع الفجوة بين قيمة الإنتاج وتكلفته، إذ أشار إلى أن أسعار القطن عالميًا أعلى من السعر الذي يحصل عليه المزارع المحلي، معتبرًا أن الفلاح يبقى معرضًا للخسارة في ظل ارتفاع تكاليف المدخلات.
تحدث المهندس الزراعي حسن رمضان عن أسباب ارتفاع تكاليف زراعة القطن، مشيرًا إلى أن المزارع لا يتحمل تكلفة ثابتة يمكن احتسابها عند بداية الموسم فقط، بل يواجه تكاليف إضافية محتملة ترتبط بظروف المحصول خلال مراحل نموه. وأوضح أن الآفات الزراعية تمثل أحد أبرز مصادر المخاطرة في زراعة القطن، لأن إصابة المحصول قد تدفع المزارع إلى زيادة عمليات المكافحة واستخدام المبيدات، ما يرفع الكلفة النهائية للموسم.
وأشار المهندس الزراعي إلى أن مشكلة الآفات تصبح أكثر تأثيرًا عندما تكون مستلزمات المكافحة متاحة في الأسواق الحرة وبأسعار مرتفعة، إذ يجد المزارع نفسه أمام خيارين صعبين: تحمل كلفة المكافحة المرتفعة، أو تقليل استخدامها، وهو ما قد ينعكس على إنتاجية المحصول وجودته. وبحسب رمضان، فإن غياب الدعم الحكومي المباشر لمستلزمات الإنتاج يرفع تكلفة الزراعة، لأن المزارع يعتمد بصورة أكبر على السوق الحرة للحصول على السماد والمبيدات والمازوت وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
وتابع أن الأسعار في السوق الحرة تكون أعلى من الأسعار المدعومة أو التي يمكن تأمينها عبر قنوات حكومية، ما يجعل الفرق بين سعر شراء القطن وتكلفة إنتاجه أكثر وضوحًا بالنسبة للمزارع. ولا يقتصر أثر ارتفاع التكاليف، وفق رمضان، على السماد والمبيدات، فالقطن من المحاصيل التي تحتاج إلى متابعة خلال مراحل نموها، كما أن عملية الري تمثل جزءًا أساسيًا من كلفة الإنتاج في المناطق التي تعتمد على الآبار أو مشاريع الري العاملة بالمحروقات.
وتصبح كلفة الري أكثر حساسية عندما ترتفع أسعار المازوت، لأن تشغيل المضخات ومحركات الري يحتاج إلى كميات من الوقود طوال الموسم. وبالتالي، فإن أي دعم للمحروقات يمكن أن يخفف جزءًا من الكلفة التي يتحملها المزارع، بينما يؤدي غياب الدعم إلى رفع سعر الكيلوغرام المنتج فعليًا.
ذكر رمضان أن تحديد سعر شراء القطن بناءً على متوسط تكلفة إنتاج لا يعني بالضرورة أن جميع المزارعين سينتجون بالكلفة نفسها، إذ تختلف التكاليف بين منطقة وأخرى وفق مصادر المياه، وطريقة الري، وإيجارات الأراضي، ونوع التربة، وأجور العمال، وأسعار مستلزمات الإنتاج، إضافة إلى حجم الإصابة بالآفات. وبالتالي، فإن المزارع الذي يعتمد على مصدر مياه يحتاج إلى تشغيل محركات ري بالمازوت قد يتحمل تكلفة أعلى من مزارع لديه مصدر مياه أقل كلفة، كما تختلف الكلفة بين المزارع الذي يملك الأرض والمزارع المستأجر أو العامل بنظام الشراكة.
حددت إدارة دعم الإنتاج الزراعي سعر شراء القطن بـ 85 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام، استنادًا إلى دراسة قالت إن تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد تبلغ نحو 71 ليرة، وهو ما يعني، وفق الإدارة، هامش ربح يقارب 20% للفلاح. وقال مدير دعم الإنتاج الزراعي محمد سعد صيلين إن تكاليف الإنتاج دُرست من لجنة مختصة من وزارة الزراعة وجهات أخرى، بالاعتماد على تقارير وتكاليف واردة من محافظات مختلفة، وتشمل مستلزمات الإنتاج والخدمات الزراعية.
وأوضح أن الهدف هو إيصال الدعم الزراعي إلى مستحقيه من الفلاحين مباشرة. ويختلف هذا التقدير عن حسابات بعض المزارعين الذين تحدثوا لعنب بلدي، إذ يرون أن التكلفة الفعلية التي يتحملونها أعلى، خصوصًا مع شراء المازوت والأسمدة والمبيدات من السوق الحرة وتحمل أجور العمال والري والقطاف والنقل. وتبرز هنا أهمية التمييز بين “تكلفة الإنتاج التقديرية” التي اعتمدتها الجهات الحكومية عند تحديد السعر، وبين التكلفة الفعلية لكل مزارع، والتي يمكن أن تتغير بحسب المنطقة وطريقة الزراعة والري وحيازة الأرض وظروف الموسم.
كان القطن من المحاصيل الاستراتيجية في سوريا، وارتبط لسنوات بالصناعات النسيجية وبالتصدير، وتركزت زراعته بصورة أساسية في حلب والرقة ودير الزور والحسكة وحماة. وبلغت المساحة المزروعة بالقطن عام 2008 نحو 176 ألف هكتار، بينما وصل الإنتاج إلى نحو 652 ألف طن عام 2009، وكان المحصول يمثل بين 20 و30% من إجمالي الصادرات الزراعية، وفق البيانات الواردة في السياق الرسمي للمحصول.
لكن الحرب وما رافقها من تغيرات في مناطق السيطرة والبنية التحتية وتراجع الدعم وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، إلى جانب الجفاف وشح المياه، أثرت في زراعة القطن ومساحاتها وإنتاجها. وفي 27 نيسان الماضي، قال مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة محمد معري إن المساحة المخطط زراعتها خلال الموسم الحالي تبلغ نحو 50 ألف هكتار، مع توقع إنتاج يقارب 150 ألف طن، وفق الخطة الزراعية.
وأشار معري إلى زيادة المساحات المخطط زراعتها في المحافظات المنتجة، إضافة إلى إعادة زراعة القطن في إدلب، لافتًا إلى التوجه نحو الزراعة الحديثة، خصوصًا في مجال الري وإدخال المكننة الزراعية. وفي المقابل، أوضح أن الإنتاج الحالي من القطن يكفي لتغطية السوق المحلية مع وجود فائض للتصدير، لكنه أشار إلى أن الدعم التمويلي للمزارعين غير متوافر، وينحصر الدعم في سعر البذار المخفض. كما بحثت وزارة الزراعة خلال آذار الماضي مع وفد من شركة “كينغدوم ديزاين المحدودة” السعودية سبل التعاون في استثمار إنتاج القطن وتصنيعه وتسويقه، في وقت شهدت مدينة حلب في 26 آذار انعقاد مؤتمر القطن الـ41 لمناقشة واقع المحصول وسبل تطويره.
وبين السعر الرسمي البالغ 85 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام، والتكاليف التي يقدّرها المزارعون، يبقى مستقبل زراعة القطن مرتبطًا ليس بسعر الشراء وحده، بل بقدرة المزارع على الحصول على مستلزمات الإنتاج والمحروقات والأسمدة والمبيدات بأسعار مناسبة، إلى جانب تأمين مياه الري والحد من الخسائر الناتجة عن الآفات. وبالنسبة لمزارعي الحسكة ودير الزور والرقة الذين تحدثوا لعنب بلدي، فإن السعر المعلن قد يصبح أكثر قبولًا في حال رافقته حزمة دعم تخفف كلفة الإنتاج، بينما يرون أن الاعتماد على السوق الحرة في تأمين مستلزمات الموسم يجعل هامش الربح المفترض أكثر عرضة للتآكل، وقد يحول زراعة القطن من محصول مربح إلى محصول يحمل المزارع مخاطر الخسارة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد