مدينة القامشلي السورية تحتفل بمرور مئة عام على تأسيسها وتنوعها الثقافي والاجتماعي


هذا الخبر بعنوان "القامشلي.. مئة عامٍ على التأسيس" نشر أولاً على موقع North Press وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
نالين علي – القامشلي قبل مئة عام من اليوم، بدأت مدينة القامشلي تكتب السطور الأولى لصفحات تاريخها كواحدة من المدن السورية البارزة في العصر الحديث. ومع مرور الزمن، أصبحت المدينة مكاناً مهماً في شمال شرقي البلاد، لما تمتلكه من تنوع ثقافي واجتماعي، إلى جانب أهميتها السياسية والتجارية. وفي الذكرى المئوية لتأسيسها، لا تُستذكر صورة المدينة باعتبارها حكاية توسع عمراني فحسب، وإنما كونها مكاناً شاركت في صياغة مساره موجات متتالية من السكان، حمل كل منها لغته وذاكرته وعاداته، وأسهم في بناء مجتمع متعدّد الألوان.
القامشلي.. بداية التأسيس قبل ظهور المدينة الحديثة، لم يكن المكان الذي تقوم عليه القامشلي اليوم مركزاً سكانياً كبيراً. ويشير الباحث محمد جمال باروت، في كتابه “التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية”، إلى أن موقع المدينة كان باديةً يخترقها نهر الجغجغ، وتنتشر فيها المستنقعات المملوءة بالقصب. ولم يكن في الموقع، بحسب باروت، سوى طاحونة ماء على النهر ومزرعة لـ”قدور بيك”، عُرفت باسم “مزرعة زهرات خزنة”. ويتوافق ذلك مع ما ذكره الشيخ محمد عبد الرزاق الطائي، أمير قبيلة طي، الذي أشار إلى أن أول حجر أساس كان في “قدور بك”، وفق أحاديث الأجداد، على حد تعبيره.
إلا أن المشهد لم يدم طويلاً بهذا الشكل، فقد تغير بصورة واضحة في عام 1926، عندما وصلت القوات الفرنسية إلى منطقة الجزيرة، وأقامت في 20 آب/أغسطس مركزاً بالقرب من إحدى المزارع الصغيرة. ويرد هذا التاريخ في شهادات منسوبة إلى الجنرال الفرنسي بيير روندو، الذي وصف المركز الناشئ بأنه مرشح لأن يتحول إلى مدينة تتفوق على نصيبين الواقعة على الجانب الآخر من الحدود. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً على الإطلاق، فقيام الحدود الجديدة بين سوريا وتركيا جعل من مدينة نصيبين، التي كانت مركزاً تجارياً مهماً، تقع داخل الأراضي التركية، بينما أصبحت القامشلي المقابلة لها في الجانب السوري مرشحة لاستقبال جزء من النشاط التجاري والسكان الذين ارتبطت حياتهم تاريخياً بالمنطقة الحدودية.
وأضاف الشيخ محمد عبد الرزاق، في حديثٍ مع نورث برس، أنه إلى جانب “قدور بك”، تأسس حي الوسطى منذ البدايات الأولى للمدينة، وكان معظم سكانه من السريان والأرمن واليهود. وأكد أنه قبل تأسيس القامشلي، كانت مرجعية سكان المنطقة مدينة نصيبين التركية بغرض التسويق، لكن بعد نشوء المدينة تغير الحال مع تطور الإعمار فيها، بما شمل المحال التجارية والمدارس والجوامع والكنائس.
مدينة متنوعة لم تتشكل هوية القامشلي من مجموعة سكانية واحدة، فمنذ السنوات الأولى لنشأتها، استقبلت المدينة العرب والكرد والسريان والآشوريين واليهود وغيرهم. ففي أواخر عشرينيات القرن الماضي، جاء إلى المنطقة أعداداً من اللاجئين الأرمن قادمين من تركيا، وتزايد حضور مجموعات أخرى مع توسع المدينة اقتصادياً. أما بالنسبة لليهود، فكانت القامشلي مركز استقطاب مهماً لهم، وهم من أسسوا أشهر أسواقها، المعروف بـ “سوق عزرا”. وبحسب الروائي عباس عباس، ارتبط “عزرا” ببيع التوابل والبهارات والسمن والجبنة، حيث كان سكان القرى يأتون بمنتجاتهم ويبيعونها في محال السوق، لدرجة أنه كان يُعتبر بمثابة “سوق القرى”.
التداخل السكاني جعل من المدينة منذ بداياتها مساحة متعددة اللغات والأديان والثقافات، وهو ما انعكس لاحقاً على أحيائها ومدارسها وكنائسها ومساجدها وأسواقها ومؤسساتها الاجتماعية. وهذا ما يشدّد عليه الروائي عباس، مشيراً إلى أن القامشلي، بتنوعها الثقافي وسكانها، كانت تشكل حلقة متكاملة ومترابطة. لكن اليهود بدأوا بمغادرة القامشلي تدريجياً، خصوصاً منذ ستينيات القرن الماضي، واستمرت الهجرة على مراحل خلال العقود اللاحقة، إلى أن تقلص وجودهم بشكل كبير. وكان دافيد موسى بنحاس، المعروف بـ “أبو ألبير”، من آخر اليهود الذين بقوا فيها، بحسب الشيخ محمد عبد الرزاق.
من ناحيةٍ أخرى، فيما يخص العرب والكرد، يستنكر الروائي في حديثه لنورث برس، سياسات حزب البعث بعد استقرار المنطقة نسبياً من الناحية السكانية، ويقول “للأسف أحدث الحزب تغيراً ديمغرافياً أثر كثيراً على المنطقة”.
أسواق ومؤسسات ترسم ملامح المدينة مع تزايد أعداد السكان، بدأت القامشلي تخرج تدريجياً من صورتها النمطية كمنطقة حديثة العهد. إذ ظهرت الأسواق والمحلات وتوسعت المهن والحرف، وحتى بدأت المؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية تأخذ مواقعها داخل أحياء المدينة، في وقتٍ لعب الحرفيون وأصحاب المهن دوراً أساسياً في دفع عجلة النمو. ويشير ديكران غازاريان، وهو معلم حدادة، إلى الحضور البارز للأرمن في الحرف والمهن، إلى جانب وجود أطباء ومهندسين ومثقفين ورياضيين. ويشدّد غازاريان على أن الأرمن استطاعوا تطوير المجتمع والاستفادة منه أيضاً، ويقول لنورث برس: “نحن قدّمنا الكثير للمنطقة، وخاصةً في مجال الحرف والمهن، وأيضاً شعب المنطقة له الفضل باستقبالنا ولهم الدور الكبير في حمايتنا”.
بينما يشير سمير كطه، من سكان المدينة ويعمل في تصليح إطارات السيارات (كومجي)، إلى أن المكون السرياني كان له دور كبير في الصناعة والزراعة والتجارة. ويقول إن أغلب أسواق المدينة يعود بناؤها إلى السريان، فيما لا تزال هناك مهن وحرف يحافظ عليها السريان، مثل الحدادة وبيع الأقمشة ومحال الصاغة، وحتى جزء كبير من محال المنطقة الصناعية تعود ملكيته إلى السريان، على حد قوله.
إلى جانب النشاط الحرفي والمهني، كان للسكك الحديدية دور مهم في تثبيت موقع القامشلي على خارطة المنطقة، فمع وصول القطار قرابة عام 1928، تحولت المدينة إلى نقطة اتصال تجارية مهمة. وفي خطوةٍ زادت من أهمية القامشلي في أربعينيات القرن الماضي، تم تأسيس مطار القامشلي ليضيف بُعداً آخراً يعكس تطور المدينة، حيث أسهم المطار في تعزيز حركة السفر والنقل الجوي، وربط القامشلي بمراكز ومدن أخرى. ومنذ التأسيس، شهدت القامشلي تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة، إلا أن تلك التحولات لم تؤثر على تنوعها وألوانها، فالثقافات واللغات والذكريات المتوارثة جعلت من القامشلي مدينة تراكمت فيها ذاكرة غنية خلال مئة عام.
تحرير: طلال عويد
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة