«الأطفال كانوا أكثر ما أثّر فينا».. صالح سردار يستعيد تفاصيل ليلة الكيماوي في زملكا


هذا الخبر بعنوان "«الأطفال كانوا أكثر ما أثّر فينا».. صالح سردار يستعيد ليلة الكيماوي في زملكا" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في زملكا، حيث لا تزال ذاكرة 21 آب 2013 حاضرة في تفاصيل المكان وأسماء الضحايا، اجتمع سوريون اليوم لإحياء الذكرى الثالثة عشرة لمجزرة الكيماوي التي ارتكبها نظام الأسد بحق المدنيين في غوطتي دمشق. وتوافد مشاركون من محافظات سورية مختلفة إلى البلدة ضمن فعالية «حديث السوريين الخامس»، التي خُصصت هذا العام لاستعادة ذكرى الضحايا والتأكيد على مطالب العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الهجوم. كما زار المشاركون مقبرة شهداء المجزرة في زملكا، حيث دُفن عدد كبير من ضحايا الهجوم، واستعاد الأهالي تفاصيل ليلة لا تزال حاضرة في ذاكرتهم. لكن خلف صور المقبرة وفعاليات إحياء الذكرى، تبقى شهادات من عاشوا تلك الساعات شاهدة على ما حدث.
من سقبا، يستعيد صالح سردار، في حديثه لـ« سوريا 24 »، تفاصيل الساعات الأولى للهجوم، عندما لم يكن يعرف، مثل كثيرين في الغوطة، طبيعة ما يجري. يقول سردار إنه كان يسير برفقة صديقه أبو عمر في وقت متأخر من تلك الليلة، عندما سمعا صوتاً غريباً يشبه صوت شخص يزيح شيئاً ثقيلاً. توقفا للحظات محاولين تفسير الصوت، من دون أن يدركا أن صواريخ محملة بمادة سامة كانت قد بدأت تحصد أرواح المدنيين. بعد وقت قصير، بدأت طلبات الاستغاثة تصل عبر أجهزة اللاسلكي. توجه سردار وصديقه نحو زملكا، وهناك، كما يقول، واجها مشهداً لم يكن يشبه أي شيء عرفاه من قبل. كان المصابون يُنقلون بأعداد كبيرة إلى السيارات، وبينهم عشرات الأطفال. وأحياناً كانت السيارة الواحدة تحمل عشرة أو 15 أو حتى 20 طفلاً، قبل أن تنطلق بهم إلى النقاط الطبية. يقول سردار لـ«سوريا 24»: «كنت أحمل المصابين وأنقلهم بسيارتي من زملكا إلى طبية سقبا، وأذكر أنني أحضرت نقلتين أو ثلاث نقلات، لكنني لم أعد أذكر العدد بدقة».
في طبية سقبا، كان الازدحام شديداً، فيما لم تعد الأسرّة والمقاعد تتسع للمصابين، فاضطر بعضهم إلى البقاء على الأرض. وكان الأطفال بين أكثر من امتلأت بهم النقطة الطبية، في مشهد تكرر في مراكز ونقاط طبية أخرى في الغوطة الشرقية، بينها كفربطنا وحمورية. ومع استمرار عمليات الإنقاذ، بدأ سردار يشعر بالدوار والتعب، ولم يعد قادراً على الاستمرار في نقل المصابين كما فعل في بداية الهجوم. يقول: «لم يكن أحد يعرف ماذا يحدث، وكان الناس جميعاً منشغلين ببعضهم بعضاً». لم يكن لدى أحد وقت ليسأل عن الآخر. الجميع كان يحاول الوصول إلى المصابين، حملهم، نقلهم أو البحث عن أقاربهم. لكن من بين كل تلك المشاهد، بقي الأطفال الأكثر حضوراً في ذاكرة سردار. يقول: «الأطفال كانوا أكثر ما أثّر فينا، يا لطيف». ثم يتوقف عند تلك اللحظة التي يقول إنه لا يستطيع وصفها حتى اليوم. أطفال ممددون على الأرض، وآخرون يُنقلون على عجل، وأهالٍ ومسعفون يحاولون إنقاذ أكبر عدد ممكن منهم وسط حالة من الفوضى والصدمة.
«كنا نشعر بالاختناق»
لم يكن الخطر محصوراً بالمصابين. يقول سردار إنه بدأ يشعر خلال عمليات الإنقاذ بالدوخة والاختناق، وأصبح التنفس صعباً عليه. ولم يكن المنقذون يعرفون في البداية طبيعة المادة التي تعرضوا لها أو كيفية حماية أنفسهم منها، فكان بعضهم يضع كمامات مبللة بالماء في محاولة للتخفيف من آثار المادة الكيميائية والاستمرار في إنقاذ المصابين. تلك التفاصيل، التي يستعيدها سردار بعد 13 عاماً، تكشف جانباً من الساعات الأولى للهجوم، حين تحولت النقاط الطبية في الغوطة إلى أماكن مكتظة بالمصابين، فيما كان الأهالي والمسعفون يعملون بإمكانات محدودة أمام أعداد هائلة من الضحايا.
مجزرة ما زالت حاضرة
في فجر 21 آب 2013، نفذ نظام الأسد هجوماً بالأسلحة الكيميائية على مناطق مأهولة في الغوطتين الشرقية والغربية، مستخدماً غاز السارين، في واحدة من أبشع الهجمات الكيميائية التي شهدتها سورية. وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أسفر الهجوم عن مقتل 1144 شخصاً، بينهم 99 طفلاً و194 امرأة، وإصابة نحو 5935 آخرين. وأشارت الشبكة إلى أن الهجوم نُفذ عبر أربع ضربات كيميائية متزامنة استهدفت مناطق مدنية، بينها زملكا ومعضمية الشام. وبعد 13 عاماً، لم تعد ذكرى المجزرة مجرد استعادة لحدث من الماضي. ففي فعالية اليوم في زملكا، تحولت الذكرى إلى مناسبة للتذكير بالضحايا والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجريمة. وفي وقت تتجه فيه سورية إلى فتح ملفات الانتهاكات ضمن مسار العدالة الانتقالية، يعود ملف الهجمات الكيميائية إلى الواجهة، وسط مطالب الناجين وعائلات الضحايا بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر. أما صالح سردار، فلا يستعيد المجزرة من خلال أرقام الضحايا أو التقارير وحدها. بالنسبة إليه، تختصر تلك الليلة صورة واحدة لا تزال عالقة في ذاكرته منذ 21 آب 2013: أطفال يحملهم الأهالي في السيارات، وآخرون ممددون على أرض النقاط الطبية. «الأطفال كانوا أكثر ما أثّر فينا، يا لطيف».. جملة بقيت من تلك الليلة، كما بقيت معها ذاكرة مجزرة لم تغلق صفحاتها بعد.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي