ثقافة

إشكالية الثقافة والمثقفين: حين تنفصل المعرفة عن الأخلاق والسلوك

جريدة الوطن١ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٥٨ ص1 مشاهدة
إشكالية الثقافة والمثقفين: حين تنفصل المعرفة عن الأخلاق والسلوك

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أزمتنا في المثقفين.. أم في الثقافة؟" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

كثيراً ما نناقش أزمة الثقافة، ونشكو من تراجع القراءة، وضعف الوعي، وانحسار حضور الكتاب في حياة الناس، كأن المشكلة تكمن في الثقافة ذاتها. لكن السؤال الحقيقي يفرض نفسه: هل أزمتنا فعلاً في الثقافة، أم في بعض الذين يحملونها؟

فالثقافة في جوهرها معرفة ووعي وفكر وتجربة، وكلما اتسعت آفاق الإنسان الثقافية، وجب أن يصبح أكثر فهماً للحياة، وأقدر على الحوار، وأشد احتراماً للآخر. فالمعرفة الحقيقية لا تقتصر على ملء العقل بالمعلومات، بل توسع نظرتنا إلى الناس والأفكار والأحداث.

لكن المفارقة تكمن في أننا قد نلتقي بشخص واسع المعرفة، كثير القراءة، يجيد الحديث عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فإذا به عند أول خلاف لا يحتمل رأياً مخالفاً، ويسخر من صاحبه، كأن كل ما قرأه لم ينعكس على سلوكه. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: ما قيمة الثقافة إن لم تغير سلوك صاحبها؟ وما جدوى معرفة الحوار لمن لا يحسنه، أو الحديث عن الحرية لمن يرفضها حين تخالف مصلحته؟

ربما لا تكمن المشكلة في نقص المعرفة، بل في انفصال المعرفة عن الأخلاق. فالثقافة ليست بعدد الكتب المقروءة، ولا الشهادات المحمولة، ولا المصطلحات المستخدمة، بل هي الأثر الذي تتركه المعرفة في طريقة تفكيرنا وأسلوب تعاملنا مع الآخرين.

لذا، فإن المثقف الحقيقي يزداد تواضعاً كلما ازداد علماً، مدركاً أن ما يعرفه هو جزء يسير من عالم فسيح. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين من يحمل الثقافة ومن تحمله الثقافة؛ فالأول يكتفي بالمعلومات والشهادات، بينما الثاني تتشكل شخصيته بفعل المعرفة ليصبح أكثر إنصافاً وهدوءاً واحتراماً للإنسان.

إن المجتمعات لا ترتقي بكثرة المثقفين فيها، بل بنوعية الأثر الذي يتركونه في وعي الناس وسلوكهم. ويبقى الاختبار الحقيقي للثقافة ظاهراً في لحظات الاختلاف، حيث يتبين ما إذا كانت قد هذّبت الإنسان حقاً، أم ظلت مجرد معلومات محفوظة وكلمات جميلة.

شارك الخبر: