رحلة البحث عن منزل في حلب: تنازلات قاسية لذوي الدخل المحدود وعقبات الجمعيات السكنية


هذا الخبر بعنوان "أين يسكن الفقراء؟.. رحلة من التنازلات بحثاً عن منزل _ محمد العمر" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يبدأ بحث ذوي الدخل المحدود عن منزل بسؤال: أين نسكن؟ بل بسؤال أكثر قسوة: ما الذي يمكن التنازل عنه كي يصبح البيت في المتناول؟ الموقع، ضوء الشمس، الإكساء، سلامة البناء، أم حتى وضوح الملكية؟ هذا هو واقع البحث عن السكن اليوم في حلب، المدينة التي خرجت من خمسة عشر عاماً من الحرب والقصف بخسائر كبيرة في مبانيها وسوقها السكنية.
كلما ضاقت الميزانية، دفعت أصحابها نحو الأحياء الشرقية أو المناطق العشوائية وغير المنظمة، حيث تنخفض الأسعار مقابل بيوت قد لا تدخلها الشمس وتفتقر إلى أبسط مقومات السكن اللائق. أما الجمعيات السكنية، التي تبدو للوهلة الأولى مخرجاً أقل تكلفة، فتتراجع جدواها مع ارتفاع أسعار الدفاتر وتكاليف البناء وطول سنوات الانتظار، حتى يصبح امتلاك البيت أبعد فأبعد عن متناول الفقراء.
تتبَّع سناك سوري رحلة البحث عن منزل في قلب حلب وخواصرها العشوائية ومشاريع جمعياتها السكنية. دخلنا مكاتب عقارية، وبحثنا عن عروض البيع على وسائل التواصل الاجتماعي، واتصلنا بأصحاب دفاتر الجمعيات، وتحدثنا مع باحثين عن منازل، لنعرف ما الذي تشتريه فعلياً ميزانية محدودة في المدينة، وأين تصطدم هذه الرحلة بالأسعار والملكية والقوانين والوعود المؤجلة.
تصدرت حلب المحافظات السورية من حيث عدد المنازل المدمرة كلياً أو جزئياً خلال سنوات الحرب، بأكثر من 355 ألف منزل بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
تعيش نوال المصطفى، وهي أرملة وجدّة لثلاثة أطفال، مع ابنها الوحيد وزوجته في منطقة الأرض الحمرا شرقي حلب. يتألف منزلهم من غرفتين ومنافع، ويدفعون لقاءه نحو مئة دولار شهرياً، أي ما يقارب نصف راتب الابن الذي تعتمد عليه الأسرة. قبل أشهر، بدا لنوال أن فرصة امتلاك منزل اقتربت، مع ارتفاع سعر الذهب، باعت مصاغها بنحو عشرة آلاف دولار، على أمل أن تشتري بيتاً صغيراً يخفف عن الأسرة عبء الإيجار. لكن رحلة البحث بين مساكن هنانو والحيدرية والصاخور بددت هذا الأمل سريعاً، فالبيوت التي وجدتها تبدأ، بحسب تقديرها، من نحو 25 إلى 30 ألف دولار.
على الطرف الآخر من المدينة، يواجه محمود حلاق المعضلة نفسها، حيث يعمل في مول تجاري بمنطقة سيف الدولة، ويسكن مع زوجته وأطفاله الثلاثة في حي صلاح الدين، في منزل لا تتجاوز مساحته 90 متراً. وحتى دفع إيجار هذا المنزل يحتاج إلى مساعدة من الخارج، إذ يعتمد محمود على حوالات متقطعة من شقيقه المقيم في السويد لجمع نحو 900 دولار، لتسديد إيجار ستة أشهر يدفعها مقدماً. ويقول إن المالك وافق على هذه المدة، رغم أن المتعارف عليه في كثير من عقود الإيجار في حلب هو دفع سنة كاملة قبل استلام المنزل.
يحاول محمود، الذي تجاوز الأربعين، الخروج من هذه الدائرة بشراء بيت، لكن كل جولة بحث تعيده إلى نقطة البداية. فالمنزل الذي يراه مناسباً لا يقل ثمنه عن 20 ألف دولار، وهو مبلغ يعادل مجموع راتبه لنحو ثماني سنوات. أما أرخص منزل زاره برفقة أصحاب مكاتب عقارية، فكان معروضاً بنحو 15 ألف دولار. لم يكن السعر المنخفض يعني صفقة أفضل، فالبناء تعرض لدمار جزئي بسبب القصف، وتحاصره الأبنية من جهات تحجب عنه ضوء الشمس، فيما يكاد المنزل نفسه يكون غير مكسو: جدران بلا دهان، وأرضية بلا بلاط، وتمديدات مياه وكهرباء مهترئة. ومع ذلك، لم يكن محمود يملك ثمنه.
واصل محمود البحث في حي صلاح الدين فعثر على منزل آخر لا تتجاوز مساحته 60 متراً، من غرفتين في الطابق الخامس، مقابل 12 ألف دولار. وعندما حاول النزول أكثر بالسعر، لم يعد التنازل متعلقاً بالمساحة أو حالة البناء فقط، بل وصل إلى الملكية نفسها. عرضت عليه مكاتب عقارية منازل في صلاح الدين والمشهد بين 8 و10 آلاف دولار، لكن ملكيتها غير مضمونة وتندرج تحت ما يعرف محلياً بـ حكم محكمة. وحتى هذه الخيارات، بكل ما تحمله من مخاطر، بقيت خارج قدرته المالية.
ما تواجهه نوال ومحمود يبتعد كثيراً عن مفهوم السكن اللائق كما تحدده المواثيق الدولية. فالمادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والمادة 11.1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، تقرّان الحق في السكن، الذي لا يقتصر على أربعة جدران وسقف، بل يشمل ضمان الحيازة، وتوافر البنية التحتية والخدمات، والقدرة على تحمل التكلفة.
وترسم جولات البحث في مكاتب عقارية بأحياء متفرقة من حلب خريطة لما تشتريه الميزانيات المختلفة. ففي أحياء شعبية مثل صلاح الدين والسكري والأنصاري والمشهد والميدان، يمكن أن تنخفض الأسعار إلى أقل من عشرة آلاف دولار، لكن ذلك يقترن غالباً بتنازلات كبيرة: منزل على العظم من دون إكساء، أو شقة في بناء متضرر جزئياً، أو منزل تحيط به الأبنية والدمار وتحجب عنه الشمس. وفي أحياء أخرى مثل الأعظمية والحمدانية وجمعية الزهراء والشهباء والمحافظة وشارع فيصل، ترتفع الأسعار تدريجياً لتصل إلى مئات آلاف الدولار.
أمام هذا النقص، يفترض أن تشكل الجمعيات السكنية أحد المخارج المتاحة لذوي الدخل المحدود. فمنذ ستينيات القرن الماضي، قام نظام التعاون السكني على فكرة تأمين المنازل بسعر التكلفة وبتمويل ذاتي من المكتتبين. وبحسب وزارة الأشغال العامة والإسكان، بلغ عدد الجمعيات السكنية المشهرة في سوريا 3248 جمعية. لكن خلف هذه الأرقام مشاريع تأخر تنفيذها سنوات طويلة، وبقي بعضها مجرد دفاتر ورقية.
غزوان المحمود واحد من هؤلاء المكتتبين. بعد أن ضاقت أمامه فرص امتلاك منزل في المدينة، اشترى دفتر اكتتاب في مشروع W3 غرب جمعية الزهراء في حلب. دفع قرابة 15 ألف دولار ثمناً لدفتر ذي أفضلية جيدة، إضافة إلى نحو 13 مليون ليرة سورية قديمة كدفعات سابقة. لكن ما اشتراه لم يتحول بعد إلى منزل، فالمشروع ما يزال في مراحله الأولى جداً ولا توجد سوى أعمال البنية التحتية.
يقدّر المهندس ياسر الأخرس كلفة المتر المربع من دون إكساء بنحو 150 دولاراً وسطياً، فيما تتراوح كلفة الإكساء بين 150 و500 دولار للمتر. وفي مشاريع الجمعيات، قد تصل كلفة الشقة إلى ما بين 50 و100 دولار أو أكثر، وهي أرقام تجعل نموذج السكن بسعر التكلفة بعيداً عن قدرة نسبة كبيرة من أصحاب الدخل المحدود.
ومع ارتفاع الكلفة، تحولت دفاتر بعض الجمعيات إلى سوق للبيع والشراء والاستثمار. وأصبح الوصول إلى هذا النوع من السكن أكثر صعوبة، بينما يبقى الإيجار الخيار المتاح لكثير من الأسر رغم استنزافه جزءاً كبيراً من دخلها.
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد
اقتصاد