سياسة

من دمشق إلى الرياض: هل تتشكل ملامح تحالف عربي جديد بعد سقوط نظام الأسد؟

syria.tv١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٤ ص3 مشاهدة
من دمشق إلى الرياض: هل تتشكل ملامح تحالف عربي جديد بعد سقوط نظام الأسد؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من دمشق هنا الرياض.. هل تولد معادلة عربية جديدة؟" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في التاريخ السياسي العربي، لم تكن بعض العبارات مجرد كلمات عابرة، بل تحولت إلى عناوين لمرحلة كاملة، واختزلت في حروفها موازين القوى وطبيعة العلاقات بين العواصم العربية. ولعل العبارة الشهيرة «من دمشق هنا القاهرة»، التي ارتبطت بمرحلة من مراحل التقارب السوري المصري، كانت واحدة من أبرز التعبيرات عن الدور الذي لعبته العاصمتان في صياغة المشهد السياسي العربي. واليوم، وبعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا، وسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وعودة دمشق تدريجياً إلى محيطها العربي والدولي، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل نشهد ولادة معادلة سياسية جديدة يمكن اختصارها بعبارة «من دمشق هنا الرياض»؟ إن السؤال لا يتعلق بمجرد استبدال اسم عاصمة عربية بأخرى، وإنما بمحاولة قراءة التحول في طبيعة العلاقة السورية السعودية، وما يمكن أن تحمله هذه العلاقة من فرص لإعادة بناء الدولة السورية، واستعادة حضورها الإقليمي، وفتح صفحة جديدة في العلاقات العربية تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الاستراتيجي.

الرياض ودمشق.. من تجاوز الماضي إلى صناعة المستقبل

لم تكن العلاقات السورية السعودية، خلال سنوات حكم النظام السابق، في أفضل حالاتها، فقد مرت بمراحل من التوتر والقطيعة وتباين المواقف، في ظل تعقيدات إقليمية وتدخلات دولية انعكست آثارها على سوريا ومحيطها العربي. لكن سقوط النظام السابق فتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة على أسس مختلفة، بعيداً عن الحسابات التي حكمت المرحلة الماضية. وقد بدت المملكة العربية السعودية من الدول العربية التي تعاملت مع التحول السوري بوصفه فرصة لإعادة سوريا إلى محيطها الطبيعي، ودعم استقرارها، ومنع انزلاقها مجدداً إلى الفوضى والصراعات. وتتجاوز أهمية هذا الموقف حدود المجاملة الدبلوماسية؛ فالسعودية دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي وإقليمي، وتمتلك شبكة واسعة من العلاقات الدولية، ما يمنح تحركها تجاه دمشق قدرة على التأثير في مواقف أطراف أخرى. ومن هنا، اكتسب التقارب السوري السعودي أهمية خاصة، لأنه لا يقتصر على إعادة فتح قنوات الاتصال بين دولتين، بل يرتبط بإعادة تموضع سوريا في المنطقة، وبإمكانية انتقالها من ساحة للصراعات وتصفية الحسابات إلى شريك في صناعة الاستقرار والتنمية.

من الرياض إلى واشنطن.. دبلوماسية تفتح الأبواب

لا يمكن قراءة التحولات في العلاقة السورية السعودية بمعزل عن المسار الذي شهدته علاقة دمشق بواشنطن. لقد أسهم التحرك السعودي في توفير مناخ سياسي مساعد لتقريب وجهات النظر، وفتح قنوات التواصل، وتشجيع التعامل الدولي مع القيادة السورية الجديدة. وكان للتواصل السعودي الأميركي، وما تتمتع به المملكة من علاقات وثيقة مع الإدارة الأميركية، أهمية في تهيئة الظروف أمام التحولات اللاحقة في الموقف الأمريكي من سوريا. وقد اكتسب هذا المسار زخماً إضافياً مع اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس أحمد الشرع في الرياض في أيار/مايو 2025، وما أعقبه من خطوات أميركية متعلقة بتخفيف العقوبات عن سوريا. وفي تطور مهم، ألغت الولايات المتحدة في تموز/يوليو 2025 تصنيف هيئة تحرير الشام منظمةً إرهابيةً أجنبيةً، ثم ألغت في آب/أغسطس 2026 تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، ورفعت التصنيف الإرهابي الأميركي عن الهيئة ضمن إجراءاتها الجديدة. وتمثل هذه الخطوات تحولات مهمة في البيئة القانونية والسياسية المحيطة بسوريا، وإن كانت لا تعني بالضرورة انتهاء جميع القيود والتحديات الاقتصادية والمالية. وهنا ينبغي التمييز بين الدور السعودي بوصفه عاملاً سياسياً مساعداً، وبين القرارات الأميركية التي اتخذتها واشنطن وفق حساباتها ومصالحها. فليس من الدقة اختزال هذه التحولات في قرار سعودي منفرد، لكن من المشروع القول إن التحرك السعودي أسهم في توفير مساحة سياسية أوسع أمام دمشق، وساعد على تعزيز فرص انفتاح دولي كان السوريون بأمسّ الحاجة إليه. لقد أدركت الرياض أن استقرار سوريا لا يخدم السوريين وحدهم، بل ينعكس على أمن المنطقة ومصالح الدول العربية، وأن استمرار عزل دمشق لن يكون بالضرورة الطريق الأقصر إلى الاستقرار.

زيارة الشرع إلى الرياض.. أبعد من بروتوكول دبلوماسي

تأتي زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، ولقاؤه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، في سياق مسار متصاعد من العلاقات الثنائية، يهدف إلى توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين البلدين. وقد تناولت المباحثات آفاق التعاون في مجالات متعددة، من بينها إعادة الإعمار والاستثمار والطاقة والصناعة والزراعة والتجارة. ولا تكمن أهمية هذه الزيارة في اللقاءات الرسمية وحدها، بل في طبيعة المرحلة التي تأتي فيها. فسوريا اليوم بحاجة إلى شراكات عربية قادرة على تحويل الانفتاح السياسي إلى نتائج ملموسة، من خلال استثمارات حقيقية، ومشروعات لإعادة تأهيل البنية التحتية، وفرص عمل، ودعم قطاعات الإنتاج، واستعادة الثقة بالاقتصاد السوري. وفي المقابل، تمتلك المملكة مصالح واضحة في قيام سوريا مستقرة، قادرة على إدارة شؤونها، وضبط حدودها، ومكافحة الإرهاب، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة لتصدير الأزمات أو استقبال التدخلات الخارجية. وهذا التقاطع في المصالح يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لشراكة استراتيجية طويلة الأمد، شرط أن تنتقل العلاقة من مستوى التفاهمات السياسية إلى مستوى البرامج العملية والمؤسساتية.

التعاون العسكري.. ماذا يعني إرسال قوة سورية إلى السعودية؟

إذا تأكدت الموافقة على إرسال قوة سورية إلى المملكة العربية السعودية، وفق ما ورد في الأخبار المتداولة، فإن هذه الخطوة ستكون جديرة بالاهتمام، لما تحمله من دلالات تتجاوز إطار التعاون العسكري التقليدي. لكن من الضروري التمييز بين الموافقة المبدئية، والاتفاق الرسمي المعلن، والتنفيذ الفعلي، إلى حين اتضاح التفاصيل المتعلقة بطبيعة القوة ومهمتها وحجمها والإطار القانوني الذي يحكم وجودها. ومن حيث المبدأ، فإن أي تعاون عسكري سوري سعودي منظم يمكن أن يعكس انتقال العلاقة إلى مستوى أعلى من الثقة والتنسيق، ولا سيما بعد سنوات طويلة من العزلة والاضطراب اللذين أثّرا في قدرات الدولة السورية ومؤسساتها. وقد يشمل هذا التعاون، بحسب ما يتفق عليه الطرفان، التدريب وتبادل الخبرات والتنسيق الأمني وبناء القدرات الدفاعية، بما يعزز أمن البلدين ويسهم في استقرار المنطقة. غير أن الأهمية الحقيقية لأي خطوة من هذا النوع ستتوقف على وضوح أهدافها، واحترام سيادة الدولتين، وخضوعها للمؤسسات الرسمية، وانسجامها مع المصالح الوطنية السورية. فسوريا الجديدة تحتاج إلى جيش وطني محترف، وإلى علاقات دفاعية متوازنة، لا إلى الدخول في محاور إقليمية مغلقة أو تحويل التعاون العسكري إلى التزام يتجاوز قدراتها وأولوياتها. إن الشراكة الأمنية الناجحة هي التي تحمي الدولة وتدعم استقرارها، من دون أن تنتقص من استقلال قرارها الوطني.

هل تصبح الرياض بوابة دمشق إلى العالم العربي؟

إن الحديث عن «من دمشق هنا الرياض» لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إعلاناً عن انتقال مركز الثقل العربي من عاصمة إلى أخرى، أو محاولة لإقامة علاقة تقوم على التبعية السياسية. فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بالشعارات، وإنما بقدرتها على تحقيق المصالح المتبادلة، واحترام استقلال القرار الوطني، وتوفير شروط التنمية والاستقرار. لكن الرياض تستطيع أن تؤدي دوراً محورياً في إعادة وصل دمشق بمحيطها العربي، مستفيدة من مكانتها السياسية والاقتصادية، ومن علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية، ومن قدرتها على دعم المبادرات التي تخدم استقرار المنطقة. وإذا نجحت المملكة في مواصلة دعم التعافي السوري، ونجحت القيادة السورية في إدارة هذا الدعم ضمن رؤية وطنية واضحة، فقد تصبح العلاقة بين العاصمتين نموذجاً لتعاون عربي يعيد الاعتبار إلى فكرة الشراكة بدلاً من الصراع، وإلى التنمية بدلاً من استنزاف الموارد، وإلى بناء الدولة بدلاً من تفكيكها. لكن ذلك يتطلب أيضاً انفتاح سوريا على بقية الدول العربية، وتعزيز علاقاتها مع مصر والأردن وقطر والإمارات وتركيا وغيرها من الدول المؤثرة، بما يضمن تنوع الشراكات وعدم رهن مستقبل البلاد بعلاقة واحدة مهما بلغت أهميتها. فدمشق لا تستعيد مكانتها العربية عبر عاصمة واحدة فقط، بل عبر شبكة متكاملة من العلاقات التي تحفظ مصالح سوريا وتعيد إليها دورها الطبيعي.

دمشق ليست جسراً للآخرين.. بل دولة تبحث عن مكانها

ثمة نقطة أساسية ينبغي عدم إغفالها في خضم التفاؤل بالتقارب السوري السعودي: إن سوريا لا تحتاج إلى مجرد دعم خارجي يعين قيادتها على تثبيت حضورها السياسي، بل تحتاج قبل كل شيء إلى مشروع وطني داخلي يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة وسيادة القانون والمؤسسات. فالدعم الخارجي، مهما كان مهماً، لا يستطيع أن يعوض غياب الثقة بين السوريين، ولا أن يحل محل العدالة، ولا أن يختصر الطريق نحو التعافي الاقتصادي والاجتماعي. إن قوة العلاقة بين دمشق والرياض ستزداد كلما أصبحت الدولة السورية أكثر قدرة على إدارة شؤونها، وأكثر استجابة لاحتياجات مواطنيها، وأكثر تمسكاً بوحدة البلاد، وأكثر نجاحاً في بناء مؤسسات تحظى بثقة السوريين. كما أن نجاح الشراكة يتطلب أن يشعر المواطن السوري بأن نتائجها تنعكس على حياته اليومية، من خلال تحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، وإعادة الإعمار، ودعم التعليم والصحة، وإعادة المهجرين، وتحقيق الأمن والاستقرار. فلا قيمة لشعارات التقارب إذا بقيت بعيدة عن حياة الناس، ولا يمكن بناء شراكة استراتيجية مستدامة من دون قاعدة داخلية متماسكة.

من دمشق هنا الرياض.. شعار لمرحلة أم عنوان لمشروع عربي؟

قد تبدو عبارة «من دمشق هنا الرياض» جذابة من الناحية السياسية والإعلامية، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها العلاقات بين البلدين. لكنها لن تكتسب معناها التاريخي إلا إذا تحولت من شعار إلى مشروع. مشروع يقوم على دعم سوريا في إعادة بناء مؤسساتها، واستعادة اقتصادها، وتعزيز سيادتها، وترسيخ وحدتها الوطنية، وعلى دور سعودي فاعل في دعم الاستقرار العربي، بعيداً عن سياسات الاستقطاب والصراعات المفتوحة. إن المطلوب ليس أن تستبدل دمشق عاصمة بعاصمة، أو أن تنتقل من اعتماد على طرف إلى اعتماد على آخر، وإنما أن تستعيد قدرتها على بناء علاقات متوازنة مع الجميع، انطلاقاً من مصالح شعبها واحتياجاته. وإذا استطاعت الرياض أن تكون شريكاً حقيقياً في هذا المسار، وإذا استطاعت دمشق أن تحوّل الدعم السياسي إلى إنجازات داخلية ملموسة، فقد نشهد بالفعل مرحلة جديدة في العلاقات السورية السعودية، تصبح فيها العاصمتان ركيزتين لتعاون عربي أكثر واقعية وفاعلية. الخلاصة أن «من دمشق هنا الرياض» ليست مجرد عبارة بديلة عن «من دمشق هنا القاهرة»، بل سؤال عن مستقبل الدور السوري في المنطقة، وعن قدرة العلاقات العربية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول. فالتاريخ لا يصنعه تبديل الشعارات، بل تصنعه القرارات التي تغيّر حياة الشعوب. ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل من دمشق إلى الرياض، ومن الرياض إلى دمشق، هي أن سوريا لا تبحث عن وصاية جديدة، بل عن شراكة تساعدها على الوقوف من جديد، وأن السعودية لا تحتاج إلى سوريا ضعيفة أو تابعة، بل إلى دولة مستقرة وموحدة وقادرة على الإسهام في أمن المنطقة وازدهارها. عندها فقط، يمكن أن تصبح عبارة «من دمشق هنا الرياض» عنواناً لمرحلة جديدة، لا تختصر علاقة دولتين فحسب، بل تفتح الباب أمام تصور عربي جديد، تكون فيه المصالح المشتركة أساساً للتعاون، وتكون فيه سيادة الدول وكرامة الشعوب معيار النجاح الحقيقي.

شارك الخبر: