اقتصاد

شبهات فساد في قطاع النفط: من يتحمل المسؤولية ومن يحاسب؟

جريدة الوطن١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٣٥ م2 مشاهدة
شبهات فساد في قطاع النفط: من يتحمل المسؤولية ومن يحاسب؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "شبهات برائحة النفط.. من يتحمل المسؤولية ومن يحاسب؟" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تفتح قضية العقود والمخالفات المالية وسوء الإدارة في قطاع النفط خلال الفترة الماضية، تساؤلات جدية حول مسؤولية الإدارة عن حماية المال العام، وفعالية الرقابة على التعاقدات، ومآلات التحقيقات الجارية. ومع تعيين ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً جديداً للشركة السورية للبترول خلفاً ليوسف قبلاوي، تبرز الحاجة الملحة لحسم الملفات المثارة، وتوضيح ما ثبت منها وما لا يزال قيد التدقيق، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من تثبت إدانته بمخالفة القانون.

في آب الماضي، كشفت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عن نتائج أعمال رقابية استمرت ثلاثة أشهر، شارك فيها 22 مفتشاً، وأظهرت مخالفات وتجاوزات في آليات إنتاج النفط ونقله ومعايرته، وأعمال الصيانة والتعاقدات، بالإضافة إلى ثغرات في الإجراءات الرقابية بعدد من حقول النفط في محافظة دير الزور. وبحسب ما نشرته وسائل إعلام، بينها “الوطن”، أشارت النتائج الأولية إلى أضرار بالمال العام تتجاوز 8 ملايين دولار، ناجمة عن التعاقدات وأعمال الصيانة وسوء الإدارة. كما تناولت التحقيقات عقود نقل النفط الخام بين إدارة المنطقة الوسطى والشركات الناقلة، مع تقدير فروق أسعار بنحو 20 مليون دولار. وشملت الإجراءات كفّ يد تسعة مسؤولين وإحالتهم إلى القضاء، إلى جانب إجراءات أخرى مرتبطة بالعقود والمتعهدين.

تطرح هذه النتائج تساؤلات حول آليات الرقابة على عمليات الإنتاج والنقل والتعاقد، وكيفية حدوث هذه المخالفات، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة كافية لمنع تكرارها. ومع ذلك، فإن هذه الوقائع، رغم أهميتها، تتعلق بملفات رقابية ولا تكفي وحدها لإثبات مسؤولية إدارة الشركة عنها، ما لم تحدد نتائج التحقيقات علاقتها بهذه الوقائع ومسؤوليتها الإدارية أو القانونية.

في أواخر أيلول، تصاعد الجدل حول عقود الشركة السورية للبترول، بعد تداول معلومات واتهامات بشأن شبهات فساد واختلاس، ارتبطت بمبلغ 110 ملايين دولار. وفي 26 أيلول، أصدرت الشركة بياناً توضيحياً نفت فيه دقة وصف المبلغ بأنه اختلاس مثبت، مؤكدة أنه تقديراً أولياً للضرر ضمن ملفات لا تزال قيد التحقيق والتدقيق، ولم تصدر بشأنها نتائج نهائية تثبت وجود ضرر فعلي بهذه القيمة أو تحدد المسؤوليات المترتبة عليه. وأوضحت الشركة أن العقود المتداولة تختلف في ظروف إبرامها وآلياتها، وأن بعضها أبرم في ظروف استثنائية لحماية المنشآت النفطية، في حين أبرمت عقود أخرى من خلال طلب عروض ومنافسة ودراسة فنية ومالية. وأشارت إلى أن التعاقد بالتراضي جائز ضمن الشروط والضوابط القانونية المحددة، ولا يشكل بحد ذاته دليلاً على الفساد.

وبذلك، يبقى مبلغ 110 ملايين دولار، وفق التوضيح الرسمي، تقديراً أولياً للضرر في ملفات قيد التحقيق، وليس مبلغاً ثبت اختلاسه. كما أن تحديد المسؤوليات يحتاج إلى نتائج نهائية توضح طبيعة الأضرار، إن ثبتت، والجهات أو الأشخاص المسؤولين عنها.

في سياق متصل، صدر المرسوم رقم 190 لعام 2026، القاضي بتعيين ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً للشركة السورية للبترول خلفاً ليوسف قبلاوي. ورغم أن صدور قرار التعيين لا يثبت بحد ذاته أن التغيير جاء بسبب ملفات الفساد، إذ لم يرد في المرسوم المنشور ما يحدد أسباب التغيير أو يربطه بالتحقيقات الجارية، فإن انتقال المسؤولية التنفيذية إلى إدارة جديدة ينبغي ألا يعني إغلاق الملفات التي أثيرت سابقاً، بل يطرح ضرورة استكمال التدقيق والتحقيق، وإعلان النتائج التي تسمح للرأي العام بمعرفة حقيقة المخالفات، إن ثبتت، وحجم الأضرار الفعلية، والمسؤوليات الإدارية والقانونية المترتبة عليها.

إن التعامل مع شبهات الفساد في قطاع حيوي كالنفط لا يكتمل بمجرد الإعلان عن تحقيقات أو تغيير المسؤولين، بل يتطلب الوصول إلى نتائج واضحة ومعلنة، تميز بين المخالفات الإدارية، والأضرار المالية المثبتة، والمسؤوليات الشخصية التي يمكن أن تترتب عليها مساءلة قانونية. فإذا أثبتت التحقيقات وجود أضرار بالمال العام أو مخالفات في العقود، فمن حق المواطنين معرفة حجمها النهائي، وكيف وقعت، ومن يتحمل مسؤوليتها، وما الإجراءات التي اتخذت لاسترداد الأموال أو معالجة الضرر، ومحاسبة كل من تثبت مخالفته للقانون، أياً كان موقعه الوظيفي. وفي المقابل، فإن العدالة تقتضي عدم تحويل التقديرات الأولية أو الاتهامات المتداولة إلى أحكام بالإدانة قبل استكمال التحقيقات وصدور النتائج المختصة.

يبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: هل ستستكمل التحقيقات في ملفات العقود والمخالفات التي أثيرت خلال الفترة السابقة حتى إعلان نتائجها النهائية، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من تثبت إدانته، أم ستبقى الأرقام المتداولة والشبهات المثارة من دون حسم يوضح للرأي العام حقيقة ما جرى ومصير المال العام؟

شارك الخبر: