هيفاء محمود: من رماد اليأس إلى صانعة البهجة.. أشهر مدربة رقص عراقية تبني مساحات آمنة للنساء


هذا الخبر بعنوان "هيفاء محمود.. أشهر مدربة رقص عراقية تكسر العتمة وتصنع المساحة الآمنة" نشر أولاً على موقع الحل نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عالم يتشكل غالباً من رفاهية الفن، تبرز أحياناً أعمال فنية تولد من رحم الألم لتصبح طوق نجاة. في المشهد النسائي العراقي المليء بالتحديات، تقف هيفاء محمود كرمز للإلهام، امرأة لم تكتفِ بمشاهدة جمال الحياة، بل انخرطت في صناعته، محولةً اليأس إلى مساحة حية للبهجة والشفاء وانتصار الذات. إنها أشهر مدربة رقص في العراق.
النشأة الأولى: طفولة الحصار والحرية المفتوحة
ولدت هيفاء محمود عام 1994، في فترة عصيبة من تاريخ العراق الحديث، تميزت بالحصار الاقتصادي القاسي والظروف المادية الصعبة، وتلتها التداعيات الأمنية والطائفية المظلمة. رغم هذه التحديات، كانت طفولتها تحمل مساحة نادرة من الحرية والتأمل في بيئة شبه ريفية غنية بالخضرة والمساحات الواسعة. شكلت هذه البيئة وعيها الجمالي الأول، حيث كانت تقضي ساعات تتأمل الطبيعة وتتساءل عن أسرار العالم، مما أشعل شغفها المبكر بالفن. تقول: “كنا نبتكر ألعابنا وفننا من أبسط الأشياء؛ نقتطع الطين لنصنع منه مجسمات وقلائد، ونستخدم الفحم للرسم على الجدران، ونمثل المسرحيات الصغرى مع الأخوات. الفن كان ملاذنا الفطري التلقائي”.
الانتقال للمدينة ومتاهة الجدران الأربعة
شهدت حياة هيفاء تحولاً حاداً عند انتقال عائلتها من المساحات الريفية المفتوحة إلى بيت مغلق داخل المدينة. وجدت نفسها محاصرة بين 4 جدران بسبب مخاوف الأهل الأمنية. دفعت هذه العزلة الإجبارية هيفاء نحو العوالم البديلة، فالتقت بالسينما والروايات والموسيقى. في غرفتها المغلقة، اكتشفت شغفها بالرقص كوسيلة للتعبير الحر عن الذات وكسر قسوة العزلة والقيود. “في العزلة، تصبح الموسيقى والرقص هما النافذة الوحيدة المطلة على العالم. كان الرقص هو المهرب الأعظم والجسر الذي أبقاني على قيد الحياة”.
شبح الاكتئاب واختيار ألم الشغف
رافق شبح الاكتئاب هيفاء لفترات طويلة وبشكل حاد، مؤثراً على صحتها وجسدها. بلغت القسوة ذروتها بين عامي 2019 و2020 بعد تخرجها وحصولها على وظيفة حكومية. شعرت برغبة عارمة في ترك الوظيفة للهروب من هذا الجحيم الداخلي. أدركت أن الحل لا يكمن في الهروب، بل في المواجهة الشجاعة. “جلست مع نفسي قرابة سنة كاملة في صمت وتأمل، وقررت لجوءاً واعياً للعلاج النفسي. من تلك اللحظة الفاصلة، بدأتُ رحلة ولادة جديدة تماماً”.
تصف هيفاء التحدي الأكبر في حياتها: “في رحلة الحياة نجد أنفسنا بين نوعين من الألم؛ ألم الندم والتحسر لأننا لم نكن نملك الشجاعة بما يكفي لتحقيق ما نحب، وألم مواجهة نظرات المجتمع وأحكامه. جربت عيش الظل طويلاً حتى قادني إلى قاع الاكتئاب، فاخترت الألم الذي يطوّرني على ألم الخضوع لألسنة لا تنتهي”.
هيفاء محمود وبناء المساحة الآمنة
بعد تعافيها، اتخذت هيفاء قراراً شجاعاً بنقل شغفها في الرقص إلى العلن وتدريبه للآخرين، رغم النظرة المجتمعية النمطية تجاه الرقص. واجهت صعوبات ورفضاً في البدايات، لكنها لم تستسلم. بدأت بمساعدة صديقتها في قاعة صغيرة، ثم انطلقت لتستقطب النسوة الباحثات عن النجاة. أسست مساحتها الخاصة المكرسة للنساء فقط، لضمان خصوصيتهن وأمانهن التام بعيداً عن أية ضغوط خارجية. استطاعت تدريب ما يزيد عن 1000 متدربة، لتتحول صالتها إلى “مجتمع نسائي مصغر” ينبض بالصداقات الحقيقية والدعم النفسي المتبادل.
“رقصة العرسان” والحلم الكبير
في عام 2024، أطلقت هيفاء فكرتها الجريئة “رقصة العرسان” (First Dance) في العراق. رغم تحفظات البعض، أصرت على خوض الغمار، لتتحول الفكرة إلى ظاهرة ناجحة. أصبحت أول مدربة لرقصة العرسان، وتقول: “الشباب يبدأون دائماً بحالة شديدة من الخجل والتردد، لكن بالصبر والتدريب الهادئ، يتجاوزون ذلك التحفظ ليقدموا في أعراسهم لوحات فنية مفعمة بالبهجة”.
تشير هيفاء إلى أن الرقص الشرقي والرقص العراقي (الهِجَع) هما الأكثر طلباً وتأثيراً في النساء؛ فالأول يحرر أنوثتهن ويجعلهن يتصالحن مع أجسادهن، والثاني يربطهن بجذورهن وتراثهن الأصيل.
طموح هيفاء محمود لا يتوقف: “حلمي الأكبر أن أمتلك يوماً ما استوديو كبيراً ومخصصاً فقط للرقص بتجهيزات عالمية، وأن نبدأ بتعليم الأطفال والفئات العمرية المبكرة كما هو الحال في الدول المتقدمة، لنخلق جيشاً من المواهب الحقيقية”.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة