هيئة الاستثمار السورية تفرض رقابة على المشاريع العقارية: حماية للمدخرات أم قيود على الاستثمار؟


هذا الخبر بعنوان "المشاريع العقارية تحت رقابة هيئة الاستثمار السورية.. حماية للمدخرات أم قيود على السوق؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه المغترب السوري “أ. ع” المقيم في إحدى دول الخليج، والذي يسعى لإعادة التواصل مع وطنه الأم، صعوبة في تحقيق خططه الاستثمارية بعد أن تبخرت آماله في لحظة. كان “أ. ع” يخطط لضخ أمواله في مشروع عقاري يستهدف الطبقة المتوسطة، بالتعاون مع تجار سوريين عبر إحدى غرف التجارة السورية، مستفيدًا من خبراتهم في قراءة خريطة التمويل والمواقع والمخاطر. إلا أن صديقه في الغرفة أبلغه بأن تنظيم أي معرض أو نشاط تسويقي للمشروع يتطلب موافقة مسبقة من هيئة الاستثمار السورية، مع الالتزام بشروط محددة.
هذه الصدمة، التي شاركها “أ. ع” مع عنب بلدي متحفظًا على ذكر اسمه، تعكس مشهدًا عامًا يؤثر على القطاع العقاري بعد إصدار هيئة الاستثمار السورية للتعميم رقم “36” في بداية تشرين الأول الحالي، والموجه إلى غرف التجارة والصناعة في المحافظات. تهدف الهيئة من خلال هذا التعميم إلى تنظيم قطاع الاستثمارات العقارية، والتحقق من استكمال الموافقات القانونية، وحماية حقوق المتعاملين من أي عمليات تضليل. ومع ذلك، يثير التعميم تساؤلات حول حدود الرقابة الحكومية، والتكاليف الإضافية المفروضة على الشركات، وتأثير هذه القيود على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
في ظل هذه الضبابية، تساءل “أ. ع” بمرارة عن مصير المشاريع الكبرى لأصحاب الثراء الفاحش، وما إذا كانوا قد حصلوا على الموافقات اللازمة للإعلان عن مشاريعهم الفارهة، وما هي الشروط التي استوفوها. يأتي هذا التعميم، الذي يلزم التجار والصناعيين بالحصول على موافقة مسبقة من هيئة الاستثمار السورية على تنظيم المؤتمرات والأنشطة الاستثمارية العقارية، ليشمل جميع الفعاليات داخل سوريا وخارجها، سواء كانت المشاريع داخل البلاد أو خارجها. ويتطلب من المنظمين تقديم معلومات مفصلة عن الجهة المنظمة والمسوقة، والمطور العقاري، واسم المشروع وموقعه، ومكان وتاريخ الفعالية، وطبيعة النشاط التسويقي، وعمليات الحجز أو التحصيل، واسم الوكيل المحلي إن وجد.
كما يمتد الإجراء ليشمل الفنادق والمنشآت السياحية وقاعات المؤتمرات، التي يتعين عليها التحقق من موافقة الهيئة قبل تثبيت الفعالية. يرى الخبير الاقتصادي الدكتور سليمان شعبان أن تنظيم التسويق العقاري يهدف إلى حماية مدخرات المواطنين وضبط النشاط الاستثماري، لكنه يحذر من أن تتحول الإجراءات الإدارية إلى عائق أمام المنافسة أو أعباء إضافية. ويعتقد أن نجاح التعميم يقاس بمدى مساهمته في تعزيز الثقة بالسوق وتحويل الاستثمارات المعلن عنها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وليس بعدد الفعاليات الخاضعة للموافقة. ويشير إلى أن السوقين السعودي والإماراتي لا يفرضان قيودًا معرقلة، بل ينظمان ويضبطان السوق لصالح المستثمر والسوق معًا، مع تقديم حوافز جاذبة.
يؤكد شعبان أن أهمية التعميم تزداد في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تدفع المواطنين للنظر إلى العقارات كوسيلة للحفاظ على مدخراتهم، مما يزيد من أهمية التحقق من المعلومات المقدمة من الشركات المسوقة. ويشير إلى أن الحملات التسويقية قد تعرض مشاريع جذابة دون توفر معلومات كافية للمشترين عن ملكية الأرض، والوضع القانوني، والتراخيص، والقدرة المالية للمطور، ومدة التنفيذ. ويميز الخبير بين تنظيم السوق واحتكار النشاط التسويقي، مؤكدًا على حق الدولة في التحقق من استيفاء المشاريع للشروط القانونية دون إقصاء الشركات المؤهلة. ويتطلب تحقيق التوازن التحقق من الوضع القانوني للمشاريع، وإعلان معايير الموافقة ومددها، وتطبيق القواعد نفسها على الشركات المحلية والأجنبية.
بالإضافة إلى الموافقة المسبقة، يتضمن التعميم تسديد بدلات مقررة، مما يثير تساؤلات حول أثرها في تكلفة تنظيم المعارض والفعاليات. يرى شعبان أن البدلات يجب أن تكون مقابلًا إداريًا للخدمات المقدمة، لا وسيلة لزيادة الإيرادات. ويحذر من أن البدلات المرتفعة أو غير الواضحة قد تزيد تكاليف المشاركة في المعارض الخارجية، وتؤدي إلى إحجام الشركات الصغيرة والمتوسطة عن تنظيم الفعاليات، أو انعكاس جزء من التكاليف على أسعار الوحدات العقارية. ويقترح اعتماد بدلات معلنة ومتناسبة مع الخدمة، وتحديد مدة زمنية للبت في الطلبات، وتبسيط الإجراءات.
يعتبر شعبان أن إلزام الجهات المنظمة بتقديم معلومات تفصيلية خطوة مهمة لتعزيز الشفافية، لكنه يشدد على ضرورة ألا تتحول هذه المعلومات إلى مجرد أوراق. ويحدد أربعة جوانب ينبغي أن يشملها التحقق: الوضع القانوني، والقدرة على التنفيذ، وتحصيل الأموال، وإتاحة المعلومات. ويقترح إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية رسمية تتيح للمواطنين التحقق من المعلومات الأساسية قبل دفع أي مبالغ. ويشير إلى أن وجود شركة مسجلة أو اسم تجاري معروف لا يعني بالضرورة أن المشروع قابل للتنفيذ، وأن الحصول على الأرض والتراخيص لا يضمن وحده توافر التمويل اللازم.
في ظل انتظار دمشق وريفها لتنفيذ حزمة المشاريع الاستثمارية العقارية المعلن عنها، يعاني السوق من عدم التنظيم، وشهد إطلاق مشاريع عقارية لا تتناسب أسعار شققها السكنية إلا مع أصحاب الثروات، في حين يعيش غالبية السوريين تحت خط الفقر. تبدأ أسعار الشقق في مشروع “يعفور 963” من 300 ألف دولار، بينما يعاني نحو 90% من السوريين من الفقر، و65% من الفقر المدقع، وفقًا لتقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 2025.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد