السادية المصورة في سوريا: حين يتحول العنف إلى متعة وإذلال


هذا الخبر بعنوان "حين يصبح العنف متعة… السّادية المصوّرة في المشهد السّوري" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آب ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم النزاعات، "يمتزج التجريد من الإنسانية مع خطاب يشرعن العنف، محوّلاً مشاهد الإذلال أفعالاً بطولية في نظر منفذيها". خلال الأحداث التي شهدتها الساحل السوري والسويداء، انتشرت مقاطع مصورة كشفت عن سادية واضحة وتلذذ بإهانة الضحايا وإذلالهم. هذه المشاهد تركت أثراً عميقاً وأثارت تساؤلات جوهرية حول الأسباب التي تحول الفرد إلى شخص سادي يستمتع بإيذاء الآخرين، والهدف من تصوير هذه الأفعال ونشرها.
لفهم هذه الظاهرة، يجب التعمق في تعريف السادية وأسبابها. قد يربط البعض السادية بالسلوكيات الجنسية، لكن مفهومها أوسع بكثير، فهو يشمل المتعة في السيطرة على الآخرين والتلاعب بهم وإذلالهم وإيذائهم جسدياً أو نفسياً.
تقول المعالجة النفسية والاختصاصية الاجتماعية لانا قصقص في حديث إلى "النهار": "قد يتضخم هذا النمط السلوكي أو النفسي في البيئات القمعية أو ضمن الجماعات المسلحة، حيث يتماهى الأفراد مع هوية جماعية تتفوق على الحس الأخلاقي الفردي".
تحدد قصقص بعض العوامل التي تساهم في ذلك:
تشرح قصقص أن التجريد من الإنسانية هو مفتاح لفهم هذه الممارسات، إذ يُعامل الضحية ككائن أدنى، ما يبرر إذلاله أو قتله. وفي النزاعات، "يمتزج هذا التجريد مع خطاب يشرعن العنف، محوّلاً مشاهد الإذلال أفعالاً بطولية في نظر منفذيها. هذا الدمج بين الأيديولوجيا والمشهدية العنيفة يخلق دائرة مفرغة تعيد إنتاج الخوف، ويدفع الأفراد إلى ارتكاب أفعال سادية استباقية لتأكيد ولائهم أو لتفادي أن يصبحوا هم أنفسهم ضحايا".
وتقول: "يظهر العنف أحياناً كاستعراض للسيطرة، يهدف إلى ترهيب الآخرين وإعادة بناء شعور القوة لدى مرتكبيه، كما يعزز الولاء الجماعي ويرسل رسائل واضحة للمجتمع بأسره: كل من يعارض الجماعة سيواجه المصير نفسه. هذا العنف المصور لا يُعد مجرد انحراف سلوكي، بل بنية متكاملة من عنف رمزي ومادي يُشرّع ويُحتفى به، وهنا تكمن خطورته. جذوره ثقافية وسياسية ونفسية وبيئية، ولا يمكن مواجهته من دون دراسة شاملة لكل أبعادها لإعادة صوغ السرديات، إعادة تأهيل الأفراد، واستعادة كرامتهم التي فقدوها نتيجة التنكيل".
وإذا كان هذا النمط السادي يجد جذوره في عوامل نفسية واجتماعية، فإن الإعلام المعاصر يمنحه أجنحة للانتشار والتطبيع.
View this post on Instagram
يرى الباحث في الإعلام والاتصال السياسي الدكتور علي أحمد، أن الإعلام اليوم، في عصر منصات التواصل الاجتماعي، أصبح ساحة مركزية لاستعراض مظاهر العنف السادي، خصوصاً في النزاعات المسلحة.
"شكل النزاع السوري نموذجاً لهذا النوع من الظواهر الإعلامية، بحيث انتشرت مشاهد الإذلال والتعذيب المصوّرة على نطاق واسع. الكاميرا في هذا السياق ليست مجرد أداة للتوثيق، بل تتحول سلاحاً رمزياً قوياً في يد الجهة المعتدية"، يوضح الدكتور أحمد، ويفنّد ذلك تالياً:
نجلس نحن نتفرج: بعضنا متأثر بعمق، وبعضنا لا مبالٍ على الإطلاق. هل سألت نفسك يوماً إن كنت شخصاً سادياً؟
يشير الدكتور أحمد إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تشكّل بيئة ملائمة لتطبيع هذه المشاهد:
عمر: "في الفيديوهات يظهر عنف متعمّد ومقصود يرافق عمليات الإهانة، بدءاً من استخدام أوصاف تحطّ من الكرامة الإنسانية، أو إجبار الضحايا على تقليد أصوات الكلاب والخراف، وصولاً إلى حلق الشوارب. هذا الإمعان في الإذلال ليس عشوائياً، بل يهدف إلى محو الآخر ونزع إنسانيته ووضعه في مرتبة حيوانية، بما يبرر قتله وإبادته. في الفيديوهات القادمة من السويداء، تجولت الكاميرا في شوارع أعرفها وعشت فيها لسنوات، بما في ذلك المناطق القريبة من مدرستي الثانوية، وبلدتي التي تعرّضت بكاملها للتهجير، بما فيها منزل عائلتي".
غنى: "حاولت تجنّب مشاهدة الفيديوهات، لكن مع تفاقم الوضع لم يعد هناك مهرب. كان الأمر صعباً للغاية، وغالباً لم أكن أتمكن من متابعة الفيديو أو المقال حتى نهايته".
حلى: "لم أتحمّل كمّ الإذلال في تلك المقاطع، ولاسيما منها مشاهد حلق الشوارب. أعرف القيمة المعنوية للشارب لدى الموحدين، وأدرك أن الهدف كان إذلال فئة معينة. كانت المشاهد قاسية جداً، ورغم أنني لا أعرف الضحايا شخصياً، إلا أنني شعرت بالتعاطف معهم من منطلق إنساني. كيف يمكن لشخص أن يجد متعة في إيذاء إنسان آخر؟".
ينفي الشيخ نضال سري الدين، عضو المجلس المذهبي للموحدين الدروز، أن تكون للشارب صفة دينية لدى الدروز، مؤكّداً أنه يحمل رمزية ثقافية واجتماعية. "الشارب عندنا تقليد عربي قديم يرمز إلى الرجولة والعز والشموخ والأناقة، وهو دليل على التزام القيم الدرزية، وأحياناً علامة يتعرّف بها أبناء الطائفة على بعضهم البعض. حلق الشارب يهدف إلى كسر هذه الرمزية الثقافية وإهانة العزة والشجاعة، ومع ذلك تبقى الكرامة ثابتة ولا تزول بزوال الشارب".
ويشير في هذا السياق إلى أن الشيخ مرهج شاهين "رجل دين يبلغ من العمر ثمانين عاماً، صاحب تاريخ في البطولة والوطنية، وبيته مفتوح مضافة للناس، وقد أقدم شاب في العشرين من عمره على حلق شاربه أمام أهله وأولاده بقصد الإهانة".
تحدثت "النهار" مع المركز الدولي للحقوق والحريات، الذي أوضح كيف يمكن توظيف هذه المشاهد أداة استراتيجية للإثبات والمساءلة:
الآن تبدأ المسرحية. أطفئوا هواتفكم، ولا تلتقطوا أي صور. عند اليمين، تقف الأم بجانب جثة ابنها، جسده في حالة يُرثى لها، وتهمس بحسرة: "ابني… ما عاد عندي داني". ثم تسرع إلى جثة أخرى بجانبه: "ما عاد عندي نيفين… تقبريها لامك. حياتي سواد بلاكي". في شمال المسرح، يبكي أخ أخته التي لم يتعرف عليها إلا من السوار الذي كان بيدها. وفوق المسرح، يظهر طيف أبو أنس وابنه، اللذان رفضا الركوع "الحرفي" وقُتلا صباح الأربعاء 16 تموز/يوليو. (لا يُذكر التاريخ هنا لتوثيق فعل القتل بل فعل الكرامة). وسط المسرح، نجلس نحن نتفرج: بعضنا متأثر بعمق، وبعضنا لا مبالي على الإطلاق.
عود على بدء… هل سألت نفسك يوماً إن كنت شخصاً سادياً؟ هل يمكن لنا أن نعرف من نحن حقاً إلا حين نمتلك الحرية والقدرة على القيام بما نشاء؟ وفي تلك اللحظة، هل سنختار الخير أم الشر؟
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _النهار اللبنانية
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد