سوريا 2025: عام التحولات الجذرية وإعادة تعريف الدولة والسلطة والعلاقات الدولية


هذا الخبر بعنوان "سوريا في 2025: عام إعادة التشكل الشامل للدولة والسلطة والعلاقات" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن عام 2025 مجرد سنة عادية في تاريخ سوريا، بل مثّل أوسع عملية تغيير سياسي وقانوني واقتصادي ودولي منذ تأسيس الدولة الحديثة. ففي غضون اثني عشر شهرًا، انتقلت البلاد من نظام حكم مغلق ومعزول دوليًا إلى مرحلة انتقالية مفتوحة أعادت صياغة الدستور، والقوانين، والمؤسسات، والعلاقات الخارجية، والاقتصاد، وحتى الرموز السيادية. يوثق هذا التقرير جميع التغييرات الجوهرية التي طرأت على سوريا خلال عام 2025، داخليًا وخارجيًا، مع التركيز على الوقائع والتشريعات والقرارات الرسمية.
مع نهاية عام 2024، انهار نظام الحكم السابق، ودخلت سوريا عام 2025 بسلطة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع، الذي أُعلن رئيسًا للفترة الانتقالية، مع تعهدات بإعادة بناء الدولة ومنع الانزلاق إلى الفوضى. وخلال الأسابيع الأولى من العام، جرى حل القيادة القطرية لحزب البعث، وتفكيك البنية السياسية القائمة على الحزب الواحد، وإنهاء الدور السياسي للأجهزة الحزبية المرتبطة بالحكم السابق.
شكّل إصدار الإعلان الدستوري أهم تحول قانوني في العام، إذ عُلّق العمل بدستور 2012، وحددت مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، ونظمت السلطات الثلاث، ومنحت صلاحيات واسعة للرئيس، مع النص على مبادئ عامة للحقوق والحريات والعدالة الانتقالية. وقد أصبح الإعلان الدستوري المرجعية القانونية العليا التي بُنيت عليها جميع القوانين والقرارات اللاحقة.
في 29 آذار 2025، أُعلنت حكومة انتقالية جديدة، أُلغي فيها منصب رئيس الوزراء التقليدي، وأُعيدت هيكلة الوزارات، واستُحدثت وزارات وهيئات جديدة، مقابل إلغاء مؤسسات وأجهزة ارتبطت بالنظام السابق. كان الهدف المعلن إدارة انتقال مركزي قوي يمنع تفكك مؤسسات الدولة.
نصّ الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2025 على إنشاء مجلس شعب انتقالي يتولى المهام التشريعية خلال المرحلة الانتقالية، على أن يُشكل وفق صيغة مختلطة تجمع بين التعيين والاختيار عبر هيئات محلية. وخلال العام، أُنجزت التحضيرات القانونية والتنظيمية المرتبطة بالمجلس، واعتُمد نظام انتخاب غير مباشر لاختيار ثلثي الأعضاء. إلا أن المجلس لم يُستكمل تشكيله فعليًا حتى نهاية 2025، بسبب عدم صدور قرار رئاسي بتسمية الثلث المخصص للتعيين، وهو ما حال دون انعقاد المجلس وبدء عمله التشريعي. ونتيجة لذلك، استمر العمل التشريعي خلال العام عبر مراسيم وقرارات صادرة عن السلطة التنفيذية، في إطار الصلاحيات الممنوحة لها بموجب الإعلان الدستوري. وقد أثار تأخر استكمال تشكيل مجلس الشعب نقاشًا سياسيًا وقانونيًا حول وتيرة الانتقال، وحدود السلطة التنفيذية، وضرورة الإسراع في استكمال البنية التشريعية لضمان توازن مؤسساتي أوسع خلال المرحلة المقبلة.
أصدرت الحكومة سلسلة قرارات أنهت العمل بقوانين الطوارئ، وألغت تشريعات “مكافحة الإرهاب” بصيغتها السابقة، وحلّت محكمة الإرهاب، وعلّقت تنفيذ الأحكام الصادرة عنها، بالتوازي مع إطلاق مراجعة واسعة لملفات المعتقلين.
أُنشئت هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، وبدأ فتح ملفات الانتهاكات السابقة، مع إقرار مبدأ التعويض وجبر الضرر، وإعادة الحقوق المدنية لعدد من المحرومين منها، رغم بطء التطبيق وتفاوت نتائجه.
شهد شهر مارس أخطر موجة عنف داخلي خلال العام، مع اندلاع اشتباكات واسعة في اللاذقية وطرطوس، وهجمات نفذتها مجموعات موالية للنظام السابق، تلتها عمليات عسكرية مضادة، وموجات قتل وانتقام ذات طابع طائفي، أسفرت عن مئات الضحايا المدنيين، وشكلت أخطر تحدٍّ أمني للسلطة الجديدة.
في مارس/آذار 2025، أُعلن عن اتفاق سياسي بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، وُصف حينها بأنه خطوة تهدف إلى تجنب المواجهة العسكرية في شمال شرقي البلاد، وفتح مسار للتنسيق الأمني والإداري، مع بحث إمكان دمج المؤسسات في مرحلة لاحقة. غير أن الاتفاق لم يدخل حيّز التنفيذ العملي، وبقي في إطار إعلان سياسي عام دون ترجمة ميدانية أو إدارية واضحة. ومع مرور الأشهر، دخل الاتفاق مرحلة جمود فعلي، في ظل غياب آليات تنفيذية، واستمرار الخلافات حول قضايا جوهرية مثل شكل الإدارة المحلية، ومستقبل القوات العسكرية، وتقاسم الموارد، ولا سيما النفط والغاز. وبحلول نهاية عام 2025، لم تُسجَّل خطوات ملموسة لتنفيذ بنود الاتفاق، ما أعاد طرح الاتفاق بوصفه تفاهمًا معلّقًا أكثر منه تسوية حقيقية، وأحد الملفات المؤجلة إلى مراحل لاحقة من العملية الانتقالية.
شهدت محافظة السويداء خلال عام 2025 تصعيدًا أمنيًا بدأ باشتباكات مسلحة بين مجموعات من البدو وفصائل محلية مسلحة داخل المحافظة، على خلفية نزاعات نفوذ وحوادث خطف وطرق تهريب، في ظل غياب مرجعية أمنية محلية موحدة. ومع اتساع رقعة المواجهات وسقوط قتلى وجرحى من الطرفين، دفعت الحكومة السورية بقوات من الأمن الداخلي إلى المحافظة بهدف فض الاشتباكات وفرض التهدئة ومنع انزلاق الوضع إلى اقتتال أوسع. وبعد دخول قوى الأمن الداخلي وانتشارها في نقاط التماس، شهد الجنوب السوري تصعيدًا خارجيًا متزامنًا، إذ نفذت إسرائيل ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية في جنوب سوريا، بعضها في محيط مناطق التوتر، بذريعة منع تموضع جهات تعتبرها معادية قرب حدودها. هذا التسلسل الزمني — اشتباكات محلية، تدخل أمني حكومي، ثم قصف إسرائيلي — أبرز هشاشة الوضع في الجنوب، وأظهر كيف يمكن لصراع محلي محدود أن يتحول سريعًا إلى ملف ذي أبعاد إقليمية، ما جعل السويداء إحدى أكثر بؤر التوتر حساسية خلال المرحلة الانتقالية في عام 2025.
رغم التغييرات السياسية والتشريعية التي شهدها عام 2025، استمر خطر العنف المسلح والإرهاب حاضرًا في المشهد السوري. ففي ربيع العام، تعرضت منطقة تدمر لهجوم مسلح استهدف موقعًا عسكريًا، وأسفر عن مقتل عدد من الجنود الأميركيين المشاركين ضمن مهمة التحالف الدولي، في واحدة من أخطر الحوادث التي طالت قوات أجنبية على الأراضي السورية. الحادثة أعادت تسليط الضوء على نشاط الخلايا المتطرفة في البادية السورية، وقدرتها على استغلال الفراغات الأمنية، رغم تراجع العمليات الواسعة لتنظيم داعش. كما شكلت الهجمات رسالة واضحة بأن التهديد الأمني لم ينتهِ مع بدء المرحلة الانتقالية، وأن بعض المناطق لا تزال عرضة لهجمات مفاجئة ومعقدة. وفي أواخر العام، زادت المخاوف الأمنية بعد تفجير استهدف مسجدًا في حمص، إلى جانب هجمات متفرقة في حلب ودير الزور، ما أكد أن الاستقرار الأمني بقي هشًا نوعًا ما، وأن ملف مكافحة الإرهاب ظل أحد أكثر التحديات إلحاحًا أمام الدولة خلال عام 2025.
شهد عام 2025 تحولًا خارجيًا غير مسبوق. فبعد أشهر من التخفيف التدريجي للعقوبات، أعلنت الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2025 الإلغاء الكامل لقانون قيصر، بعد مصادقة الكونغرس الأميركي على إنهاء العمل به نهائيًا. هذا القرار أنهى الإطار القانوني الأساسي للعقوبات الأميركية الشاملة المفروضة منذ 2020، وأزال آخر العوائق القانونية أمام التعامل الاقتصادي الكامل مع مؤسسات الدولة السورية. بالتوازي، رفع الاتحاد الأوروبي معظم عقوباته، وأُعيد ربط سوريا بالنظام المالي الدولي، ما أنهى فعليًا مرحلة العزلة الدولية.
في عام 2025، شكلت الزيارات الدبلوماسية للرئيس السوري أحمد الشرع أحد أبرز ملامح الانفتاح الخارجي بعد سنوات من العزلة. فقد زار روسيا لبحث مستقبل العلاقات الاستراتيجية ودور موسكو في دعم الاستقرار، كما توجه إلى فرنسا في أول زيارة رسمية إلى دولة غربية كبرى منذ التغيير السياسي، ركزت على دعم المسار الانتقالي وإعادة تفعيل العلاقات الثنائية، إضافة لزيارته واشنطن ولقاء الرئيس ترمب في أول زيارة لرئيس سوري منذ الاستقلال. وشهدت العلاقات مع الولايات المتحدة انفتاحًا لافتًا عبر لقاءات رفيعة المستوى تناولت مكافحة الإرهاب وإعادة دمج سوريا دوليًا بعد إلغاء قانون قيصر. وعلى الصعيد العربي، أجرى الرئيس سلسلة زيارات إلى دول عربية لإعادة سوريا إلى محيطها الإقليمي وتأمين دعم سياسي واقتصادي. وفي سياق هذا الانخراط الخارجي، أُعلن انضمام سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، في خطوة هدفت إلى تعزيز التعاون الأمني وملاحقة الخلايا المتطرفة. وتُوج هذا الحراك بإلقاء الرئيس كلمة سوريا أمام الأمم المتحدة، أعلن فيها طي صفحة العزلة ودعا المجتمع الدولي إلى دعم إعادة الإعمار والانتقال السياسي.
خلال العام، أُعيد فتح سفارات، وزارت وفود دولية دمشق، واستؤنف التواصل مع الأمم المتحدة، وبدأت محادثات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وعادت سوريا تدريجيًا إلى المشهد الإقليمي والدولي، مع بقاء الدعم الخارجي مشروطًا باستمرار المسار السياسي.
شملت الإجراءات الاقتصادية تحريرًا جزئيًا للأسعار، وإصلاحات في منظومة الدعم، وتنظيم الاستيراد، وفتح باب الاستثمار الأجنبي، واستئناف عمل سوق دمشق للأوراق المالية بعد سنوات من التوقف.
في ديسمبر 2025، أُعلن إصدار عملة سورية جديدة، مع حذف صفرين من الليرة، وإزالة رموز النظام السابق، على أن يبدأ الاستبدال في يناير 2026. وقد حمل القرار بُعدًا رمزيًا واقتصاديًا في آن واحد، دون اعتباره حلًا فوريًا لأزمات التضخم.
خلال عام 2025، وقّعت سوريا عددًا من عقود ومذكرات التفاهم الاستثمارية بعد رفع العقوبات، في مؤشر على بداية انفتاح اقتصادي رسمي. وشملت هذه الاتفاقات مشاريع في قطاع الطاقة والكهرباء عبر تحالفات تقودها شركات من قطر، إضافة إلى عقود ومذكرات استثمار مع شركات ودول عربية، أبرزها السعودية، في مجالات البنية التحتية، والعقارات، والنقل، والسياحة. ومع أن معظم ما وُقّع كان بصيغة مذكرات تفاهم أو عقود إطار، اعتُبرت هذه الخطوات مؤشرًا على خروج الاقتصاد السوري من مرحلة الجمود وبدء اختبار الثقة مع المستثمرين بعد سنوات من العزلة.
لم يكن عام 2025 عامًا للإصلاح الجزئي، بل عامًا لإعادة تعريف الدولة السورية: دستوريًا، وقانونيًا، واقتصاديًا، ودوليًا. دخلت سوريا عام 2026 وهي دولة مختلفة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة