وهم الاستشراف: كيف تسرق 'طلاسم' المتنبئين وعي العام الجديد؟


هذا الخبر بعنوان ""الطلاسم" في رؤية عام جديد" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مطلع كل عام جديد، يطل علينا المتنبئون بـ"طلاسمهم" في مشهد يتسم بـ"الاستشراف" السياسي، لا يهدف إلا لتقديم رؤيتهم الخاصة للعالم وتعزيز حضورهم الإعلامي. غير أن هذه التكهنات تأتي على وقع أوجاع عالم منهك يترقب التحول أو الفرج الذي يخفف من همومه الثقيلة. إن التنبؤ، في جوهره، ليس سوى انعكاس لزمن رمادي، ولمجتمعات تتوق إلى المعرفة من "المجهول"، وتسعى جاهدة لتشكيل حاضرها بناءً على "طلاسم" ترسم ملامح خاصة لمجتمع يعيش خلف ضباب كثيف.
لم يكمن الصادم في طبيعة التوقعات ذاتها، بل في الكثرة المفرطة للمتنبئين الذين يملأون شاشات التلفزة. هذه الظاهرة ليست بجديدة، لكنها اليوم أصبحت رمزاً للقدرة على فرض رؤية للمستقبل بمعزل عن الوعي السياسي. فالقضية لم تعد تتعلق بمعرفة ما يدور في أماكن مثل سوريا، كمثال صارخ، بل برغبة الناس في الاستماع بعد أن تضاءل زمن القراءات السياسية الحقيقية في عالم تتسارع فيه التطورات المعرفية، من الذكاء الاصطناعي إلى علوم الفيزياء الكمومية.
هل سبق لأي من هؤلاء المتنبئين أن توقع إنجازاً علمياً حقيقياً؟ إن المسألة هنا تكمن في استلاب اهتمام الجمهور، حيث يتم التركيز على "السياسة" التي لا تقدم للبشر أي آفاق جديدة، بل تقتصر على تفاصيل لا ترسم مساراً للمستقبل. وهكذا، يختزل الإعلام الذي يستضيف "ظاهرة التنبؤ" الحياة بأكملها في توقعات تدور حول "بلاط" الأمراء والرؤساء ونجوم الفن.
إن ظاهرة التنبؤ التي تصاحبنا هي في حقيقتها تعبير عن حالة عجز جماعي. فمع الأيام الأولى من كانون الثاني، تتكرر الطقوس ذاتها: وجوه منهكة تبتسم أمام الكاميرات، وأصوات واثقة تتحدث عن "تحولات كبرى" و"نهايات قريبة"، وخرائط للقدر تُرسَم بخطوط غير مرئية. وخلف هذه المشاهد، تكمن أزمة وعي أعمق تمزج بين المعرفة والتسلية، والتحليل والتهويم، والأمل والهروب من الواقع.
في عصر تتآكل فيه الثقة بالمؤسسات ويتزايد فيه الضجيج الافتراضي، يجد الإنسان نفسه وحيداً أمام شاشات تغمره بوابل من التكهنات، وكأنها تمنحه وهماً بالسيطرة على مستقبل غدا أضخم من قدرته على استيعابه. فالتنبؤ، بصيغته الحالية، لم يعد أداة لفهم المجهول عبر علوم البيانات، بل تحول إلى وسيلة لإلهاء الوعي عن مواجهة الحقائق، ومحاولة لصياغة العلاقة بين الإنسان وزمنه، حيث يصبح الحاضر ليس مجالاً للفعل، بل مجرد انتظار لما يزعم "العراف" أنه قادم.
ليس مستغرباً أن يتحول "المنجم" إلى معلق سياسي يطلق الأحكام ويستنتج السيناريوهات، في مشهد يمتزج فيه الخيال بالتحليل، والعبارة الغامضة باليقين الزائف. وبهذا، تنزاح السياسة عن مكانتها كفعل عقلاني لتصبح مسرحاً رمزياً تحكمه النبوءة والإيحاء، بينما يتراجع الفكر النقدي أمام السردية السحرية التي توفر للجماهير طمأنينة عابرة.
مع حلول عام جديد، ليس المطلوب منا قراءة الغيب، بل قراءة الذات. فالحاضر ليس مجرد ممر إلى ما هو آتٍ، بل هو مساحة لإعادة بناء ما يمكن إنقاذه من المعنى. وما لم ندرك أن التغيير الحقيقي ينبع من وعينا الجمعي، فستظل "الطلاسم" هي اللغة السائدة لعصر يخشى الحقيقة بقدر ما يتوق إليها. وبين صخب المنجمين وصمت المفكرين، يبرز سؤال جوهري: هل ما زلنا نؤمن بأن المستقبل يُصنع، أم أننا ارتضينا أن يُروى لنا كحكاية غامضة في ليلة رأس السنة؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة