وهم الوحدة بالإخضاع والانفصال كخلاص: أنس جودة يقترح العقد الاجتماعي طريقاً وحيداً للخروج من أزمات الصراع


هذا الخبر بعنوان "بين وهمين: لماذا لا ننجو بالإخضاع ولا بالانفصال" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يعيد الكاتب أنس جودة طرح الأزمة في بلدان الصراع، مشيراً إلى أنها تُقدّم غالباً كخيار حادّ بين أمرين: إما وحدة تُفرض بالقوة، أو انفصال يُقدّم كخلاص. يرى جودة أن هذا الإطار مغلوط من الأساس، لأنه لا يقدم حلاً حقيقياً، بل يعيد تدوير المأزق ذاته بصيغتين مختلفتين.
فالوحدة التي تُفرض بالإخضاع ليست وحدة حقيقية، بل هي مجرد تعليق مؤقت للصراع. إنها سلطة مركزية تطلب الطاعة دون شراكة، وتُسمّي السيطرة استقراراً. قد تنجح هذه الصيغة في ضبط الأوضاع ظاهرياً، لكنها في الواقع تُراكم غضباً مؤجلاً. فالإخضاع لا يُنتج ولاءً، بل يؤخر العصيان، وكل تأجيل بالقوة يجعل الانفجار أعنف حين يقع. من يظن أن القهر طريق الوحدة يخلط بين الشكل والجوهر، فما يُمسك بالقيد لا يدوم بالعصب.
في المقابل، يُستدعى الانفصال بوصفه تحرراً من هذا القهر. لكنه، بحسب جودة، لا يخرج من الأزمة، بل يلتف حولها. فالتفتيت لا يزيل علة الصراع الأصلية، بل يُجزّئها. وغالباً ما ينتهي "الاستقلال" إلى كيانات هشة تفاوض على سيادتها بدلاً من أن تمارسها، وتستبدل مركزاً واحداً للنزاع بعدة مراكز أصغر. ما يبدو خلاصاً سريعاً يتحول إلى تبعية مجزأة وصراعات أصغر لا تنتهي.
المشكلة الحقيقية ليست في التنوع أو الاختلاف، بل في منطق التعطيل الذي يحكم كلا الخيارين. فالسلطة التي تفرض الوحدة بالقوة تُغلق باب السياسة، مما يدفع المجتمع للبحث عن مخارج خارج الدولة. وحين تُغلق السياسة، تُفتح الجغرافيا، وعندها لا يعود التفتيت مؤامرة بقدر ما يصبح لغة الاعتراض الوحيدة المتاحة. وفي الاتجاه المعاكس، يبرر خطاب الانفصال مزيداً من التشدد المركزي. هكذا يتغذى الوهمان من بعضهما، ويغيب الحل القابل للحياة.
يؤكد أنس جودة أن الإخضاع لا يصنع وحدة، بل يؤجل انفجارها، والتفتيت لا يصنع دولة، بل يبعثر سيادتها. البديل ليس قبضة أشد ولا حدوداً جديدة، بل هو "عقد". عقد يوزع السلطة بدلاً من احتكارها، ويحول المشاركة من منّة إلى حق، ويجعل اللامركزية قاعدة دستورية لا مجرد أداة إدارية. عقد يعالج الماضي بعدل بلا ثأر، ويُنهي الصراع على الموارد بتوزيع واضح وعادل. هذا الطريق أصعب وأبطأ، لكنه الوحيد القابل للاستمرار.
فمن يريد الوحدة لا يفرضها، بل يُقنع بها. ومن يريد الدولة لا يسيطر، بل يشارك. الإخضاع يُبقي الصراع كامناً، والانفصال يُجزّئه ولا يُنهيه. أما العقد، فهو الخيار الصعب الوحيد الذي يُنتج دولة قابلة للحياة. سوريا لك السلام.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة