موقع "هاشتاغ" في مرمى الترهيب: صراع الإعلام المستقل بين أخلاقيات المهنة ومحاولات الإقصاء في المراحل الانتقالية


هذا الخبر بعنوان ""هاشتاغ" بين الرقابة المهنية ومنطق الترهيب" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
من المفهوم أن تلجأ بعض الحكومات والسلطات في المراحل الانتقالية إلى تشديد القبضة الأمنية ضمن أطر قانونية محددة، وذلك بذريعة الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. غير أن هذا الاعتبار يفقد مشروعيته عندما يتحوّل إلى تضييق على وسائل الإعلام، أياً كان خطها التحريري، إذ لا يمكن ضبط العمل الإعلامي بمنطق أمني. فلا بد من ضمان حرية الوصول إلى المعلومة وحرية التعبير، في إطار واضح من أخلاقيات المهنة ومعاييرها المهنية.
لقد جسّد نظام الأسد البائد نموذجاً مكتملاً للاستبداد بمستوياته السياسية والفكرية والثقافية، حيث لم يقتصر التحكم على المجال الأمني أو السياسي، إنما امتدّ ليطال إنتاج المعنى ذاته. فقد جرى تفريغ إعلام الدولة من وظيفته العامة، وتحويله تدريجياً إلى إعلام سلطة، يُستخدم لتكريس خطاب أحادي، ويعمل على إقصاء أي محاولة لبناء نافذة إعلامية خاصة مستقلة وفاعلة، وذلك عبر التضييق والملاحقة والتشويه المنهجي.
وبعد عام على المرحلة الانتقالية، يُفترض أن يكون المجال الإعلامي السوري أقل قابلية للانزلاق نحو خطاب الإقصاء، لا أكثر. صحيح أن فضاءات التواصل الاجتماعي كثيراً ما تعمل خارج أي ضوابط عقلانية أو أخلاقية، إلا أن هذا الواقع لا يمكن أن يشكّل مبرّراً لتراخي الأطر الرسمية وشبه الرسمية داخل المؤسسات الانتقالية. فهذه الأطر، بحكم موقعها ومسؤوليتها، معنيّة بالتصدي لحملات الضغط المنظمة التي تستهدف وسائل إعلام مستقلة ومشهود لها بالمهنية، ولا سيما حين تُدار هذه الحملات عبر ذرائع جاهزة تُفرَّغ من سياقها المهني والحقوقي، وتُستخدم كأدوات إقصاء.
لا بد لنا هنا من التوقف عند الحملة التي تعرّض لها موقع "هاشتاغ"، وهي التي اتخذت طابعاً منظّماً جمع بين التشهير العلني والتهديد المباشر، في ممارسات يصعب إدراجها ضمن أي نقاش مهني جاد حول المعايير الصحفية، أو حتى ضمن إطار الاختلاف المشروع في الرأي، بقدر ما تعكس نزوعاً واضحاً نحو الإقصاء والترهيب.
تفرض المسؤولية الوطنية على المؤسسات الانتقالية الرسمية أن تتنبه إلى ما يصدر عن بعض الدوائر، ولا سيما في الفضاء الرقمي، من محاولات لتوظيف مفاهيم حساسة مثل "خطاب الكراهية" أو "التضليل" بصورة فضفاضة. فهذا الاستخدام لا يعكس في كثير من الأحيان حرصاً فعلياً على أخلاقيات العمل الإعلامي، بقدر ما يكشف عن سعي لنزع الشرعية عن إعلام مستقل، اختار منذ تأسيسه أن يعمل خارج منطق الاصطفاف السياسي والتبعية السلطوية.
ويستند هذا الإعلام إلى وظيفة صحفية واضحة، تقوم على نقل الوقائع بمهنية وموضوعية، ومساءلة السلطات بوصف ذلك جوهر الدور الرقابي للصحافة، الذي لم يُوصَف تاريخياً بـ"السلطة الرابعة" من فراغ، فضلاً عن إتاحة المجال أمام تعدد السرديات داخل المجتمع، بوصفه شرطاً ضرورياً لحيوية المجال العام.
نعم؛ يُستخدم توصيف الصحافة بالسلطة الرابعة في الخطاب العام بكثرة، لكن هذا الاستخدام غالباً ما يبقى توصيفاً رمزياً أكثر منه فهماً وظيفياً لطبيعة الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام داخل البنية السياسية والاجتماعية. فالصحافة في معناها الحديث، لا تُشكّل سلطة موازية للسلطات التنفيذية أو التشريعية أو القضائية، بقدر ما تمارس وظيفة رقابية معرفية وأخلاقية، تقوم على مساءلة تلك السلطات، وكشف اختلالاتها، ونقل أفعالها إلى المجال العام، حيث تصبح موضوعاً للنقاش والمحاسبة.
ما يثير القلق على نحو خاص في الحملات الموجّهة ضد وسائل الإعلام أو منظمات المجتمع المدني، هو البيئة التي تُدار فيها هذه الحملات. خاصة إذا ما تحولت دعوات الإيقاف والمنع بحق تلك المؤسسات إلى تهديدات صريحة تطال العاملين فيها، فيأخذ الخطر طابعاً ترهيبياً يعيد إنتاج مناخ الخوف الذي عرفه الصحفيون السوريون في مراحل سابقة، ويقوّض في الوقت نفسه أي حديث جاد عن الانتقال نحو فضاء عام أكثر انفتاحاً وأمناً.
من منظور مهني، لا يمكن اعتبار نقل تصريحات أو ممارسات تنطوي على تحريض أو تمييز، أو كشفها للرأي العام، فعلاً تحريضياً بحد ذاته. على العكس، فإن تفكيك هذه الخطابات وإخضاعها للنقاش العام يُعدّ جزءاً أصيلاً من الدور الرقابي للإعلام، وأحد شروط بناء وعي مجتمعي نقدي قادر على مواجهة خطاب الكراهية.
أما من الزاوية القانونية، فإن استهداف أي وسيلة إعلامية عبر التحريض أو الترهيب يشكّل انتهاكاً واضحاً لمبادئ حرية التعبير وحرية الصحافة، كما وردت في الدساتير الوطنية وفي المواثيق الدولية الناظمة للحقوق المدنية والسياسية. هذه الحريات لا تُمنح مشروطةً بالولاء أو بالانسجام مع السلطة، إنما تُكفل بوصفها حقاً عاماً، وأي تقييد لها خارج إطار قانوني مستقل وقضاء نزيه يمكن أن يضع مؤسسات الدولة المعنية، أو السلطة القائمة، في موقع المساءلة الأخلاقية والسياسية.
لا بد هنا أيضاً التنويه إلى أن إدارة الاختلاف لا تعني تذويبه، ولا قمعه، ولا فرض سردية جامعة مصطنعة، إنما تتطلب تلك الإدارة خلق فضاء يسمح بتعايش السرديات المتباينة ضمن قواعد سلمية واضحة. ودور الإعلام سيكون أقرب إلى وسيط اجتماعي يتيح لهذا الاختلاف أن يُعبَّر عنه، ويُناقش، بدل أن يتحول إلى توترات مكتومة أو انفجارات عنيفة.
في أي مجتمع خارج من الاستبداد أو النزاعات الطويلة، لا بد لنا من النظر إلى الإعلام المستقل كأحد أعمدة إعادة البناء، بما يتيحه من مساءلة، وكسر لاحتكار الحقيقة. إذ أن محاولة فرض خطاب واحد، أو شيطنة الاختلاف، لا يمكن أن تنتج استقراراً، لأنه سيقوم فقط من خلال إدارة الاختلاف ضمن إطار سلمي ومفتوح.
من هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع ما يتعرض له "هاشتاغ" كقضية تخص مؤسسة بعينها، إنما يكون ذلك كاختبار أوسع لمدى استعداد المجتمع والسلطة معاً لتقبّل إعلام يؤدي وظيفته كاملة، بما في ذلك النقد والمساءلة وكشف الخلل. إن الدفاع عن هذا الحق هو أيضاً دفاع عن فكرة المجال العام نفسه، وعن إمكانية قيام إعلام يعكس تعقيد المجتمع وتنوعه.
إن حماية الصحفيين ووسائل الإعلام المستقلة تأتي كشرط بنيوي لأي مسار جاد نحو بناء دولة تحترم مواطنيها، وتدير اختلافاتهم بدل قمعها. وأي محاولة لإسكات الإعلام، تحت أي مسمى، إنما تمثل خطوة إلى الوراء، في مسار الخروج من إرث العنف والاستبداد.
خلاصة القول، أن الرهان يبقى على إعلام يلتزم بالمعايير المهنية، وينحاز للحقيقة، ويؤمن بأن تعدد الزوايا ليس تهديداً للوطن، بل ضمانة لسلامته على المدى الطويل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة