سياسة

الخبراء والإعلام في زمن الأزمات: تعزيز الانقسام أم بناء الوعي؟

enabbaladi.net٤ كانون الثاني ٢٠٢٦ في ١٢:٤٧ م3 مشاهدة
الخبراء والإعلام في زمن الأزمات: تعزيز الانقسام أم بناء الوعي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "“خبراء” يعززون الانقسام.. كيف يتعامل الإعلام معهم" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يتساءل الكاتب علي عيد عن المشهد الإعلامي الراهن الذي يبرز فيه "خبير" يقدم "حتميات" دون تدقيق، ويقابله جمهور متحمس ومنقسم، ومذيع يساير أو محرر يسمح للخبير بقول ما يشاء. هل هذه المزيج يؤدي إلى الوعي أم يعمق الانقسام والتحريض؟

يسعى العديد من المحللين و"الخبراء" الذين لا يلتزمون بمنهجية علمية واضحة، إلى استغلال المنصات الإعلامية والصحفية، مستخدمين لغة أكاديمية قد تبتعد عن المنطق أو الحقيقة. وعندما لا تُلبى رغباتهم، يوجهون سهام النقد إلى الإعلام. وتُعد سوريا مثالاً واضحاً على هذا الانقسام، حيث ينقسم الناس، بمن فيهم المهتمون بالتحليل السياسي أو من يقدمون أنفسهم كخبراء، ويجرون معهم الإعلام إلى هذا الانقسام. قد تنجرف غرف الأخبار تحت ضغط الجمهور، أو سعياً لمحاباة برامج الدعم، أو حتى ممالأة السلطة، لتمرير آراء لأشخاص دون تدقيق أو توازن.

في الأزمات السياسية، لا تكمن المشكلة في نقص الخبراء، بل في فائض اليقين لدى بعضهم، مما يخلق تحدياً كبيراً أمام التوازن التحريري. فالمواد التي تعتمد على آراء الخبراء والباحثين يُفترض فيها الحياد التحليلي، لكن الواقع يختلف تحت تأثير العاطفة أو الانتماء أو المصالح. فالخبير ليس كياناً معزولاً، بل هو جزء من مجتمعه، يحمل ذاكرته وانحيازاته الواعية أو غير الواعية.

في لحظات التوتر، يميل الكثير من الخبراء والمحللين إلى الدفاع عن "جماعتهم" (سواء كانت طائفة، منطقة، هوية، أو حتى السردية السياسية التي تشكل وعيهم)، وغالباً ما يكون ذلك على حساب الدولة أو المجتمعات الأخرى. إن الخلل لا يبدأ عند الخبير الذي لا يلتزم بمنهج علمي، بل عند إدارة التحرير حين تفشل في إدارة هذا الميل. ومن أبرز مظاهر هذا الخلل في غرف الأخبار:

  • تقديم الرأي المنحاز على أنه تحليل موضوعي.
  • استخدام توصيف "خبير" كدرع يمنع مساءلة الخطاب.
  • اختزال التعددية في تنويع الأسماء بدلاً من تنويع زوايا الطرح.
  • ترك السياق السياسي والاجتماعي دون تفكيك، مما يحول التحليل إلى تبرير.

عندما تُترك الأمور على هذا النحو، تتحول الصحافة والإعلام من وسيط معرفي إلى مضخم للانقسام. فما هو الدور المطلوب من إدارة التحرير؟ وكيف يمكنها منع تحول الوسيلة الإعلامية إلى شركة علاقات عامة للخبراء، وتثبيت مهمتها كجهة تنظيم معرفي؟

إن التوازن لا يعني إرضاء الجميع، بل يقتضي فرض معايير مهنية صارمة، منها:

  • الفصل الدقيق بين التحليل والموقف: يجب أن يوضح المحتوى للجمهور متى يتحدث الخبير بلغة الوقائع، ومتى يعبر عن قراءة سياسية متأثرة بموقعه الاجتماعي أو الأيديولوجي. فالخلط بينهما هو أخطر أشكال التضليل الناعم.
  • تقديم السياق قبل الاقتباس: عدم اقتطاع رأي خبير دون وضعه في سياقه: من هو؟ ما خلفيته؟ ما موقعه من النزاع؟ هذا ليس تشهيراً، بل شفافية ضرورية في زمن الاستقطاب.
  • التوازن على أساس معرفي: استضافة خبيرين متضادين لا تصنع توازناً تلقائياً. التوازن الحقيقي يتحقق حين تُعرض زوايا تفسير مختلفة للحدث نفسه (قانونية، سياسية، اجتماعية، تاريخية)، والرأي لا يُوازن برأي، بل بإطار أوسع للفهم.
  • التقديم والتحرير النقدي لا الإخراجي أو التبريري: يجب عدم الاكتفاء بتلميع النص لغوياً، فهذا "تزييف مهني". كذلك، لا ينبغي ترك الضيف على الشاشة ليأخذ الجمهور إلى حيث يريد. من حق المحاور والمحرر، بل من واجبهما، أن يسألا الخبير، ويعيدا صياغة الأسئلة، ويدققا الادعاءات، ويمنعا التعميمات التي تُدين جماعات كاملة أو تُبرئ أخرى.

يوجه الكاتب نصائحه لزملائه الصحفيين، في إدارات التحرير وغرف الأخبار والبرامج التلفزيونية، بضرورة:

  • الأخذ بعين الاعتبار أن الخبراء ليسوا محايدين بطبيعتهم، وشرح خلفياتهم وصلتهم بالنزاع دون تشهير، والتعامل مع آرائهم وتدقيقها على أنها ليست حقائق مطلقة.
  • معالجة وتحرير التحليل السياسي كمنتج لا كنص مقدس، ومناقشة أي فكرة مع أخذ دور الخصم عند غيابه.
  • عدم تمرير كل ما يقال بزعم "الحياد"، والتذكر دائماً أن كل كلمة تبث أو تُنشر في الأزمات والمجتمعات الهشة، يمكن أن تسهم في تهدئة المجتمع أو تعميق الشرخ أو خلق شرخ جديد.
  • الدقة في اختيار الخبراء الضيوف، وشرح المعايير أمامهم، لمنع تمرير أفكار ورؤى منحازة دون تدقيق.
  • الابتعاد عن نقل توصيفات مثل "ضرورات أمنية" أو "رد فعل طبيعي" دون تفكيك قانوني وأخلاقي.

إن المعالجة المنحازة في زمن الأزمات، وفشل الصحافة والإعلام في إدارة هذا الخلل، لهما ثمن مضاعف على الإعلام والمجتمع، وأهم مظاهره:

  • تعميق الاستقطاب المجتمعي.
  • تحول المحتوى الإعلامي والبرامج إلى جزء من النزاع لا مرآة له.
  • تحول المنصة إلى ساحة اصطفاف.
  • نزع الشرعية عن مفهوم الدولة أو المجتمع، عبر تقديم العنف أو الفوضى بوصفهما "رد فعل مفهوماً" دون مساءلة قانونية وأخلاقية، مما يقوض أسس العيش المشترك.
  • فقدان الثقة بالإعلام والصحافة، لأن الجمهور ليس ساذجاً، وحين يلاحظ التحيز المتكرر، يعيد تصنيف الوسيلة من مصدر معلومات إلى طرف سياسي.
  • تطبيع ونشر خطاب الإقصاء كأخطر مظهر للانحياز غير المنضبط، لأنه يُقدَّم بلغة هادئة وأكاديمية، ما يجعله أكثر قابلية للانتشار وأقل عرضة للمساءلة.

في الختام، يطالب الكاتب الصحافة والإعلام في الأزمات بموقف مهني واضح في التعامل مع آراء الخبراء، وحماية الحقيقة والبشر من التعميم والتحريض، ومنع التسييس والاستثمار والدعاية لأفكار تخدم توجهات الخبراء أو ميولهم.

شارك الخبر: