تأخير استكمال مجلس الشعب السوري: أبعاد دستورية وسياسية وتحديات التمثيل الشامل


هذا الخبر بعنوان "ما أسباب تأخير تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب السوري؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع بداية العام الجديد، يواجه مجلس الشعب السوري الجديد، الذي تشكل بشكل جزئي إثر انتخابات أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تحديات كبيرة في استكمال نصابه التشريعي. فقد أعلنت اللجنة العليا للانتخابات عن فوز 119 عضواً فقط من أصل 140 مقعداً مخصصاً للانتخاب غير المباشر عبر هيئات ناخبة، وذلك بعد تأجيل التصويت في مناطق حيوية مثل السويداء والرقة والحسكة لأسباب أمنية وسياسية، مما أسفر عن شغور حوالي 21 مقعداً.
أما الثلث المتبقي من المقاعد، والبالغ عددها 70 مقعداً، والذي يخول الرئيس أحمد الشرع تعيين أعضائه مباشرة، فلم يصدر بشأنه أي مرسوم رئاسي حتى الآن، رغم مرور أكثر من شهرين على إعلان النتائج الجزئية. ويأتي هذا التأخير في ظل مساعي الحكومة السورية لتعزيز دور السلطة التشريعية أمام المجتمع الدولي، خاصة مع الحاجة الملحة لمصادقة المجلس على الاتفاقيات الدولية وإصلاح القوانين القائمة.
وفي هذا السياق، أكد فرج العقدي، الفائز بانتخابات مجلس الشعب السوري، أن إرجاء استكمال تشكيل المجلس لا يمثل تعثراً، بل هو مؤشر على حرص الجهات المعنية على الالتزام بالمعايير الدستورية الجديدة. وأشار العقدي، في تصريحات للجزيرة نت، إلى أهمية التسويات السياسية لضمان تمثيل حقيقي للمناطق التي تأجلت فيها الانتخابات. وأوضح أن المقاعد المؤجلة تخضع لعمليات تسوية سياسية تهدف إلى تحقيق التمثيل الأمثل، بينما يركز الرئيس أحمد الشرع على اختيار كفاءات وطنية لملء الثلث المعين رئاسياً، وهو ما يتطلب دراسة دقيقة لضمان التكامل بين الأعضاء المنتخبين والمعينين بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
وفي سياق مسيرة المرحلة الانتقالية في سوريا، لفت العقدي إلى أن هذا التأخير يعكس جهوداً لضبط الإيقاع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وليس صراعاً على السلطة. وأكد أن سوريا تسعى لصياغة "نموذج وطني فريد" ينتقل من تداخل السلطات إلى تكاملها، معتبراً أن هذا التأخير يمنح المؤسسة التشريعية فرصة للبدء بعملها مكتملة الأركان وبصلاحيات حقيقية وفاعلة، لتكون شريكاً دستورياً بناءً للسلطة التنفيذية.
وشدد العقدي على أن التعيينات الرئاسية تهدف إلى معالجة اختلالات التمثيل، مثل ضعف تمثيل النساء والتنوع المجتمعي، بالإضافة إلى سد الثغرات في التخصصات المهنية التي قد لا تغطيها نتائج الانتخابات. وأوضح أن التوقيت الزمني لهذه التعيينات ليس محدداً بمدة معينة، بل يخضع لجدول أعمال وطني يركز على تمكين المجلس من بدء عمله بأقوى صورة ممكنة، مع اعتبار الكفاءة والاحتياج الوطني معيارين أساسيين.
وفي سياق متصل، أثار هذا التأخير مخاوف لدى بعض المراقبين السياسيين من احتمال دخول المجلس مرحلة "تجميد عملي"، مما قد يحد من دوره في مراقبة أداء الحكومة ويعيق جهود العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. إلا أن المستشار القانوني علي الحميدي أكد أن عدم استكمال تشكيل مجلس الشعب حتى الآن يندرج ضمن الإطار الدستوري والقانوني الحالي.
وأشار الحميدي إلى أن عدة عوامل أسهمت في هذا التأخير، أبرزها الحاجة إلى حل المشاكل العالقة في مناطق مثل شرق الفرات ومحافظة السويداء، وذلك بدافع من رغبة الدولة والقيادة في ضمان تمثيل شامل لكافة المناطق تحت قبة البرلمان. وشدد على أن هذا النهج يعكس التزاماً بضمان شمولية التمثيل الجغرافي، على الرغم من التعقيدات الأمنية والسياسية التي تمر بها البلاد في هذه المرحلة.
وفيما يتعلق بآلية الانتخاب غير المباشر وصلاحيات التعيين الرئاسية، اعتبر الحميدي أنها ضرورة مرحلية فرضتها الظروف الراهنة، مؤكداً أنها "من حيث المبدأ تمثل عملية ديمقراطية شفافة، رغم صعوبة المرحلة التي تمر بها البلاد". وأضاف أن التعيين سيكون أداة رئيسية لترميم التمثيل، لا سيما وأن عدد الإناث كان محدوداً جداً في الهيئات الناخبة، وبالتالي فإن التعيين سيلعب دوراً محورياً في الحفاظ على نسبة التمثيل والتوازن بين الذكور والإناث، مما يعزز مبادئ المساواة في التمثيل البرلماني.
وبخصوص تأثير غياب مجلس مكتمل التشكيل على مسار العدالة الانتقالية والرقابة التشريعية في هذه المرحلة الحساسة، أوضح الحميدي أن السلطة التشريعية، ممثلة بمجلس الشعب، تضطلع بمهام رئيسية في سن التشريعات وإقرار القوانين، خاصة تلك المتعلقة بقضايا العدالة الانتقالية. وأقر بأن تأخير تشكيل البرلمان قد أثر على هذه الجوانب، لكنه أكد وجود متسع من الوقت ليضطلع المجلس بدوره بمجرد دعوته للانعقاد. واعتبر الحميدي أن بطء الإجراءات أمر طبيعي نظراً للمشاكل التي تواجه عمل الدولة، والتي تسعى جاهدة لحل المعضلات على الصعيدين المحلي والدولي، مما يمهد الطريق لتقدم في العملية السياسية الانتقالية.
وكان نوار نجمة، المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، قد صرح في أكتوبر/تشرين الأول بأن تعيينات الرئيس ستسهم في "ترميم السلبيات"، كضعف تمثيل النساء والمكونات الأخرى. إلا أن عدم صدور هذه التعيينات حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول يثير تساؤلات حول الأولويات التنفيذية.
من جانبه، أوضح محمد حاج عبدو، عضو اللجنة الفرعية للانتخابات في حلب، أن الإعلان الدستوري منح الرئيس أحمد الشرع حصة الثلث من المقاعد للتعيين، وذلك استكمالاً للأعضاء المنتخبين. وأضاف حاج عبدو، في حديث للجزيرة نت، أن هذه النسبة خُصصت على الأرجح لضمان تنوع المجلس وتمثيل الفئات التي قد لا تحظى بتمثيل كافٍ عبر الانتخابات المباشرة، مثل النساء والأقليات الدينية والطائفية.
وأكد أن هذه الآلية تعد ضرورية في المرحلة الراهنة، نظراً لغياب بيئة انتخابية ملائمة للانتخابات المباشرة، بسبب عوامل كالهجرة وغياب بيانات التسجيل نتيجة سنوات الثورة، بالإضافة إلى الوضع الأمني. وشدد على ضرورة تبني حل استثنائي، ربما من خلال اعتماد الهيئات الناخبة وتوزيع الحصص بعدالة، مشيراً إلى أن ثلث التعيين يهدف إلى سد النقص الفعلي في تمثيل المرأة وبعض الأقليات، وهو ما سيؤخذ بعين الاعتبار ضمن حصة الرئيس أحمد الشرع.
وأشار حاج عبدو كذلك إلى أن غياب أو تأخر استكمال تشكيل البرلمان وبدء عمله يؤثر على استكمال سلطات الدولة التنفيذية والقضائية والتشريعية. وأكد على حاجة البلاد الماسة إلى سن أو تعديل بعض التشريعات، والمصادقة على العديد من الاتفاقيات التي تتطلب عرضها على البرلمان، فضلاً عن مسار العدالة الانتقالية الذي يحتاج إلى إقرار قانون خاص به. وتوقع أن يكون ملف استكمال أعضاء مجلس الشعب على رأس أولويات الأجندة الرئاسية مع دخول العام الجديد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة