بالانتير: تجسيد الفاشية التكنولوجية ورأسمالية المراقبة في عالمنا المعاصر


هذا الخبر بعنوان "رأسمالية المراقبة والفاشية التكنولوجية: “بالانتير” نموذجًا (2)" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في رسالة نهاية عام 2025، الموجهة إلى المستثمرين في شركة “بالانتير للتكنولوجيا” (Palantir Technologies Inc)، اختتم ألكسندر كارب، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك، كلمته بتصريح مثير للجدل. قال كارب: “لقد كان ولا يزال من الخطأ الإعلان بشكل عابر عن المساواة بين جميع الثقافات والقيم الثقافية، ومع ذلك، فإن السعي وراء شيء أعظم، ورفض التعددية الفارغة والمخصية الجوفاء، هو ما سيساعد في ضمان استمرار قوتنا وبقائنا”. يُفسر هذا التصريح على أنه إشارة إلى مركزية الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، وتذكير بقيم شعار دونالد ترامب الانتخابي “اجعل أمريكا عظيمة مجددًا”، الذي تحول إلى حركة يمين سياسي شعبوية استقطبت، إلى جانب المحافظين البيض في أرياف الولايات المتحدة، نخبة من كبار أصحاب رؤوس الأموال ومديري شركات التكنولوجيا، من النساء والرجال، في “سيليكون فالي” بكاليفورنيا.
إن صراحة كارب في التعبير عن اشمئزازه من قيم ديمقراطية كالمساواة والتعددية، تعكس مستوى فظاظة خطاب الفاشية التكنولوجية في الولايات المتحدة. يمكن تتبع بدايات هذا الخطاب في “سيليكون فالي” إلى تسعينيات القرن الماضي، مع صعود أصوات ذكورية يمينية، مثل جورج غلدير، التي رسخت صورة براقة في الوعي الجمعي عن رواد الأعمال (Entrepreneurship) بشكل عام، ومطوري الحوسبة الشباب بشكل خاص، الذين أصبحوا بين عشية وضحاها “مليونيرية” خلال فترة الفقاعة الاقتصادية المعروفة بـ”فقاعة الإنترنت” (Dot-com bubble).
أسهمت هذه الأصوات أيضًا في خلق ربط أيديولوجي بين نجاحاتهم وما يسمى بـ”القيم التقليدية الأمريكية”، من أدوار جندرية نمطية، والاستحقاق الفردي والديني للرجال البيض المسيحيين، ومركزية الأسرة النواة في نجاح النظام الرأسمالي، وتصديره على أنه نظام اقتصادي خَيّر يجازي أصحاب الكفاءة والجهد عبر حُكم الجدارة (Meritocracy).
مع مرور الوقت، اصطدمت ثقافة “سيليكون فالي” هذه مع النضال السياسي المتنوع الذي طالب بالعدالة الاجتماعية عبر تفكيك البنى القمعية التي تميز على أساس العرق والجندر والعمر والقدرة الجسدية والعقلية وغيرها من محاور الامتيازات والهيمنة. نادى هذا النضال بتحقيق الإنصاف في الوصول إلى الموارد والفرص وصناعة القرار، والمساءلة، وجبر ضرر المظالم الهيكلية ذات التاريخ الطويل، والذي تُرجم ليبراليًا عبر سياسات وبرامج “التنوع والإنصاف والشمول” (DEI) في التعليم والعمل. وقد رفض رموز عدة من شركات التكنولوجيا الناشئة آنذاك هذه المبادئ، فوصموها بتأنيث “سيليكون فالي” عبر الصوابية السياسية (Political correctness). واليوم، تتردد أصداء هذا الرفض في تصريحات وسياسات مارك زوكربيرغ وإيلون ماسك، وفي إعلان برنامج التدرب المهني “شهادة بالانتير” الذي تدعي فيه الشركة أن “التعليم الجامعي لم يعد صالحًا” في انتقادها للمناهج التعليمية، والنضال السياسي الذي يفضح التمييز العنصري بكل أشكاله، ويسعى لتفكيكه.
وعليه، تُعَرف الفاشية التكنولوجية اصطلاحًا بأنها منظومة استبدادية تلتقي فيها القوة التكنولوجية وسياسات اليمين والسلطوية، وتندمج فيها السلطة السياسية مع سلطة شركات التكنولوجيا الكبيرة ونخبها التكنوقراطية. تهيمن تكنولوجيا هذه الشركات، من نظم التشغيل والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والخوارزميات، على كل جوانب الحياة من التعاملات الشخصية والمعاملات الإدارية إلى القرار السياسي والعسكري على أرض المعركة. تتحول هذه التقنيات من أدوات تيسير للاتصال والعمل من أجل المنفعة المجتمعية، وتعزيز الوصول العادل، إلى وسائل قمعية بيد المنظومة توظفها لخدمة أيديولوجيتها، وتوسيع سلطتها، ومراكمة الربح والثروة بأيدي نُخبها. وبذلك، تقوض الفاشية التكنولوجية الديمقراطية وأطر العدالة والتحرر المختلفة.
يمكن تتبع توسع دور “بالانتير” في تل أبيب إلى عام 2015، وقد تُوج ذلك في كانون الثاني من عام 2024 بشراكة استراتيجية مع “وزارة الدفاع الإسرائيلية”. خلال زيارة مجلس إدارة الشركة لإبرام الصفقة وإعلان الدعم الكامل للاحتلال وحربه الإبادية في غزة والتطهير العرقي في الضفة، أجرى يوسي فاردي، خبير التكنولوجيا الإسرائيلي، حوارًا في جامعة “تل أبيب” مع ألكسندر كارب، المدير التنفيذي لـ”بالانتير”. وصف فاردي كارب بأنه أكبر داعمي إسرائيل في “سيليكون فالي” قولًا وفعلًا، وبدوره، أعرب كارب عن استيائه من كبار الشركات التي لم تعلن بشكل صريح عن دعمها لإسرائيل.
تناولت المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، في تقريرها المعنون “من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة”، والصادر في 2 من آب 2025، ما أسمته بالجانب المظلم لشركات التكنولوجيا. هذه الشركات تؤتمت قمع الفلسطينيين والفلسطينيات من خلال جمع البيانات والمراقبة، وتستفيد تقنيًا وماليًا من استخدام تكنولوجيتها العسكرية، واختبارها في، وعلى، الأراضي الفلسطينية المحتلة. يرجح التقرير أن “بالانتير” توفر “تكنولوجيا التنبؤ التلقائي لضبط الأمن، وهياكل أساسية للدفاع من أجل إنشاء، ونشر برمجيات عسكرية بسرعة، وعلى نطاق واسع، ومنصة الذكاء الاصطناعي التابعة لها، التي تسمح بدمج بيانات ساحة المعركة في الوقت الحقيقي، لاتخاذ القرار بطريقة مؤتمتة”.
أضاء التقرير على واقعتين تشيران إلى معرفة الجهاز التنفيذي للشركة بما ترتكبه إسرائيل، دون أن تمنع هذه الأعمال أو توقف تعاونها. الأولى هي زيارة كارب لتل أبيب والصفقة المذكورة آنفًا، والثانية خلال رده في مناسبة أخرى على الاتهامات الموجهة للشركة بالمساهمة في قتل الفلسطينيين في غزة، وقوله بأن ذلك صحيح، لكن معظم من يُقتلون هم “إرهابيون”.
في أيلول 2020، صدر عن منظمة العفو الدولية تقرير طالب شركة “بالانتير” باحترام حقوق الإنسان وذلك بسبب عقودها مع وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، وتحديدًا فيما يتعلق بمنصات التحليل المتكاملة لإدارة القضايا (ICM) وبرنامج فالكون (FALCON) الذي تستخدمه وزارة الأمن الداخلي في تحقيقاتها الأمنية. وفي 21 من آب 2025، أفادت منظمة العفو الدولية مجددًا، بأن كلًا من شركتي “بالانتير للتكنولوجيا” و”بابل ستريت” تراقب الأفراد، وترصدهم، وتقيمهم بصورة جماعية مستمرة، وتستخدمهما الحكومة الأمريكية كأداتين لتعقب المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في إطار سياسة الترحيل الجماعي وحملات قمع أشكال التعبير المؤيدة لفلسطين، والتي تؤدي إلى انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. وقد منحت هذه التكنولوجيا السلطات القدرة على تعقب واستهداف الطلاب الدوليين والفئات المهمشة المهاجرة بشكل سريع وعلى نطاق واسع، مما أدى إلى احتجاز غير مشروع، وترحيل جماعي بوتيرة غير مسبوقة.
تمثل شركة “بالانتير للتكنولوجيا” نموذجًا لصعود الفاشية التكنولوجية وأثرها على الحوكمة، والنضال التحرري للشعوب، وأطر العدالة، والحياة المدنية، والحريات الفردية والجماعية. توفر مثل هذه الشركات بنية تحتية للقمع والهيمنة تتوغل إلى مفاصل الحياة اليومية عبر أنظمة رأسمالية المراقبة لتوظف البيانات الخاصة والعامة في منصات التنبؤ البوليسي، وبرمجيات الملاحقة العقابية، التي تخدم هياكل القمع وعنفها ضد الفئات التي تصنفها تلك الهياكل بأصوات ومجموعات غير مرغوب بها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة