أزمة الهوية السورية: من التجانس القسري إلى البحث عن عقد اجتماعي جديد


هذا الخبر بعنوان "الهوية السورية بين الخوف والعقد الاجتماعي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير د. سلمان ريا إلى أن الهوية الوطنية السورية، خلافًا لما رُوِّج لها طويلًا، لم تتشكل نتيجة توافق اجتماعي حر أو تعبير طبيعي عن الانتماء. بل نشأت ضمن إطار نموذج دولة احتكرت تعريف معنى أن تكون «سوريًا». ومع انهيار هذا النموذج، لم تتلاشَ الهوية فجأة، وإنما كشفت عن فراغ عميق كانت تخفيه. فمنذ عام 2011، ومع تراجع قدرة الدولة على فرض سيطرتها، لم يعد بالإمكان الحديث عن هوية وطنية موحدة تعمل بفاعلية كما في السابق. فقد الخطاب الرسمي قدرته على احتكار المعنى، ولم تعد الدولة قادرة على الاضطلاع بدور الإطار الجامع الوحيد للمجتمع.
إن ما تشهده سوريا اليوم يتجاوز كونه مجرد صراع سياسي، ليصبح أزمة أعمق تمس جوهر تعريف الانتماء ذاته. فعلى مدى عقود، جرى بناء الهوية الوطنية من الأعلى، من خلال سردية فرضتها السلطة قائمة على التجانس القسري. كانت الدولة هي من يحدد تعريف المواطن وموقعه، وتطالب بالامتثال أكثر من المشاركة. ورغم أن هذا النموذج بدا مستقرًا، إلا أنه كان هشًا في جوهره، لأنه لم يلغِ التعددية المجتمعية بل أخفاها.
مع تراجع سلطة الدولة، برزت هويات محلية وانتماءات جزئية كانت قائمة مسبقًا ولكن دون إطار سياسي موحد. لم تكن المشكلة تكمن في وجود التعددية بحد ذاتها، بل في غياب مجتمع قادر على تنظيم اختلافاته عندما تراجعت الدولة. وفي ظل هذا الفراغ، سعت العديد من الجماعات إلى إيجاد وسائل للحماية الذاتية، ليس بدافع الانفصال، بل لأن الدولة أخفقت في توفير الحماية المتساوية لمواطنيها. في هذا السياق، لا تتحول الجماعات إلى العمل السياسي بدافع الطموح، بل بدافع الخوف، وتغدو الهوية درعًا مؤقتًا بدل أن تكون مشروعًا جامعًا.
إن العديد من أشكال التمثيل الأهلي أو المحلي أو الديني التي نشهدها اليوم لا تمثل «عودة للطائفية» بالمعنى المباشر، بل هي نتيجة لانهيار دولة كانت تعمل على إسكات هذه التساؤلات بدلًا من معالجتها. لقد دمجت الدولة الأفراد ضمن مؤسساتها دون الاعتراف بتنوعهم، ثم تركتهم بلا ضمانات. بيد أن هذا المسار ينطوي على مخاطر جمة؛ فالتمثيل الناشئ عن الخوف قد يتحول إلى اصطفافات دائمة، وقد تتحول الهويات التي تُستدعى للحماية إلى سجون سياسية. علاوة على ذلك، يفسح هذا الفراغ المجال أمام نخب غير منتخبة للتحدث باسم جماعات واسعة، مما يهدد بإعادة إنتاج الانقسامات.
لذا، فإن السؤال المطروح اليوم ليس كيفية إعادة فرض هوية وطنية بالقوة، ولا كيفية ترك المجتمع يتشظى، بل كيف يمكن الانتقال إلى هوية وطنية ذات طبيعة مختلفة: هوية تعاقدية وليست قسرية، تنبثق من علاقة واضحة بين الدولة والمواطنين. لا تعني الهوية التعاقدية محو الخصوصيات، بل تنظيمها ضمن إطار وطني يقوم على القانون والمواطنة المتساوية. وهذا يعني أن يشعر الفرد بأن الدولة تحميه بصفته مواطنًا، لا مجرد تابع أو ممثل عن جماعة. ولا يمكن بناء هذه الهوية بالشعارات فحسب، بل من خلال إعادة بناء الدولة ذاتها: مؤسسات قوية، سيادة القانون، وفضاء عام يسمح بالاختلاف والتفاوض السلمي.
إن أزمة الهوية في سوريا ليست أزمة مجتمع متعدد، بل هي أزمة دولة أخفقت في إدارة هذا التعدد بفاعلية. فالهويات لا تتحول إلى مشكلة إلا عندما تفشل الدولة في توفير إطار عادل وجامع. وما لم يُطرح سؤال الهوية كمسألة تتعلق بالدولة والعقد الاجتماعي، وليس كصراع انتماءات، فإن خطر التشظي سيبقى قائمًا. في الختام، السؤال الجوهري ليس: أيّ هوية نريد؟ بل: أيّ دولة نحتاج، لكي يشعر السوريون بأن هذه الهوية ملك لهم، وليست مفروضة عليهم؟ هذا التساؤل ليس مجرد ترف فكري، بل هو شرط أساسي للخروج من المأزق الذي علّق سوريا طويلًا بين القسر والانقسام. وحده الانتقال من دولة تفرض الهوية إلى دولة تضمن شروط تشكلها يمكن أن يفتح آفاقًا مستقبلية مختلفة. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة