مفاوضات باريس السورية-الإسرائيلية: مكاسب متباينة في ظل رعاية أمريكية وتحولات إقليمية


هذا الخبر بعنوان "من باكو إلى باريس.. ماذا حققت سوريا وماذا كسبت إسرائيل؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت العاصمة الفرنسية باريس انعقاد الجولة الخامسة من المفاوضات السورية-الإسرائيلية، التي تُعد استكمالاً لمسار تفاوضي انطلق من باكو. جاءت هذه الجولة برعاية أمريكية مكثفة، عقب زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن في تشرين الثاني الماضي، ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم تقديم هذه المحادثات رسمياً على أنها أمنية ومحدودة النطاق، إلا أن أبعادها السياسية والاستراتيجية تتجاوز ذلك بكثير، سواء فيما يتعلق بإعادة تعريف قواعد الاشتباك الحدودية، أو بفتح آفاق جديدة للتنسيق وربما التطبيع التدريجي مستقبلاً.
أحدث سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تحولاً جذرياً في المشهد السوري، فاتحاً مرحلة انتقالية تميزت بإعادة ترتيب موازين القوى الداخلية، وبجهود دولية وإقليمية لإعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي بمعادلات جديدة. بالنسبة لإسرائيل، مثل هذا التحول فرصة ومصدراً للقلق في آن واحد.
تمثلت الفرصة في احتمال ظهور سلطة سورية أكثر براغماتية، وأقل ارتباطاً بمحور إيران، وأكثر استعداداً للانخراط في ترتيبات أمنية تقلص التهديدات على الجبهة الشمالية. أما مصادر القلق فنبعت من الخلفية الإسلامية المتشددة للسلطة الانتقالية، والمخاوف من تمركز جماعات معادية أو غير منضبطة في جنوب سوريا، مما يهدد الحدود مع الجولان المحتل.
في المقابل، واجهت السلطة السورية الجديدة إرثاً ثقيلاً من الصراع مع إسرائيل، يتصدره ملف الجولان. كما استغلت إسرائيل الوضع الجديد لتوسيع وجودها العسكري في مناطق إضافية، بالإضافة إلى غاراتها المتكررة داخل الأراضي السورية بعد سقوط النظام. لذا، باتت دمشق تنظر إلى أي مسار تفاوضي كوسيلة لاستعادة السيادة، أو على الأقل وقف الاعتداءات، وإعادة تثبيت حضورها كدولة ذات سيادة في المحافل الدولية.
انطلقت المفاوضات في باكو كقناة غير مباشرة، وركزت في بداياتها على الترتيبات الأمنية وتخفيف الاحتكاك. ومع الانتقال إلى باريس في جولات مباشرة، حملت الجولة الخامسة آمالاً بالتوصل إلى تفاهمات حقيقية، بوساطة أمريكية مباشرة ومشاركة فاعلة من مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ووفقاً لمصادر إسرائيلية وبيانات رسمية لاحقة، تميزت جولة باريس بكونها "مثمرة" من حيث بناء آليات عملية للتنسيق، حتى وإن لم تصل إلى اتفاقات نهائية حول القضايا الجوهرية.
يمكن تلخيص المكاسب الإسرائيلية في هذه الجولة ضمن ثلاثة مستويات رئيسية، بناءً على معطيات نشرتها الصحافة العبرية:
على الرغم من الفجوة الواضحة في موازين القوى، استطاعت سوريا تسجيل عدد من المكاسب في ختام الجولة الخامسة من محادثات باريس، مستفيدة من الضغط الأمريكي على حكومة تل أبيب للوصول إلى تفاهم. فقد تمكنت السلطة الانتقالية في دمشق من كسر الجمود الدبلوماسي والحصول على اعتراف إسرائيلي بها، بعدما كانت تل أبيب تنظر إليها بعين الشك والريبة.
كما تُعد خطوة إنشاء آلية تنسيق مشتركة بين دمشق وتل أبيب وبالشراكة مع واشنطن مدخلاً لتقليل فرص الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية جواً وبراً. فقد أشار البيان الأمريكي-الإسرائيلي-السوري المشترك في ختام اجتماعات باريس إلى أن المحادثات تمحورت حول احترام سيادة سوريا واستقرارها، وإلى الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق مشتركة تهدف إلى خفض التصعيد العسكري ومعالجة النزاعات بسرعة. يمنح هذا التطور دمشق أداة رسمية للحد من الاحتكاكات والضربات المفاجئة. وستضع هذه الآلية الأنشطة العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا تحت الرقابة، مما قد يخفف منها ويضع حداً للانتهاكات اليومية الحادة في منطقة القنيطرة ودرعا جنوب البلاد.
ونقل مسؤول سوري لوكالة رويترز في أعقاب جولة باريس أن واشنطن اقترحت وقف جميع الأنشطة العسكرية الإسرائيلية ضد سوريا فوراً، وهو ما وصفه بأنه "فرصة تاريخية". ورغم عدم تحققه بعد، فإن إدراج هذا المطلب على طاولة التفاوض يمثل تقدماً مهماً بالنسبة لسوريا.
على الرغم من الإعلان المشترك، لا تزال الخلافات عميقة، خاصة فيما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى ما قبل خطوط 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وقضايا السيادة على الجولان وجبل الشيخ، وكذلك غياب جدول زمني ملزم لأي انسحاب أو ترتيبات نهائية. كما غابت ملفات مهمة عن البيان المشترك، ولا سيما ما أكدته تل أبيب في أكثر من مناسبة حول حمايتها للدروز في السويداء ومنع حكومة دمشق من الدخول إلى المحافظة.
كل ذلك، بالإضافة إلى تاريخ إسرائيل المعروف بالتنصل من تنفيذ التزاماتها في قضايا الصراع مع دول الشرق الأوسط، بحسب المراقبين، يوحي بأن النتائج ستكون رهناً بمدى تنفيذ إسرائيل التزاماتها من جهة، ومن جهة ثانية بقدرة الأطراف على الانتقال من مرحلة استكشاف المواقف وتضييق الفجوات، إلى مرحلة توقيع القرارات الحاسمة والملزمة في المدى القريب.
تُظهر الجولة الخامسة من مفاوضات باريس أن الطرفين حققا مكاسب متفاوتة، لكنها مهمة في سياق إدارة الصراع لا حله. وبينما لا يبدو أن اتفاقاً شاملاً يلوح في الأفق، فإن هذه المفاوضات ترسم ملامح مرحلة جديدة من العلاقة السورية-الإسرائيلية، عنوانها الأبرز: إدارة التوتر عبر التنسيق، لا المواجهة المفتوحة.
سياسة
سياسة
سوريا محلي
اقتصاد