اتفاق حمشو مع الحكومة السورية: غضب شعبي ومخاوف من تقويض العدالة الانتقالية


هذا الخبر بعنوان "اتفاق محمد حمشو مع الحكومة يثير مخاوف من تمييع العدالة الانتقالية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يمر الإعلان عن توقيع "اتفاق شامل" بين الحكومة السورية ورجل الأعمال محمد حمشو، والذي وصفه الأخير بأنه يهدف إلى "تنظيم وتثبيت الوضع القانوني وفتح صفحة جديدة"، مرور الكرام. بل شكل هذا الاتفاق صدمة جديدة لأهالي الضحايا والمهجرين، الذين اعتبروه إعادة تعويم صريحة لأحد أبرز رموز اقتصاد الحرب، وتجاهلاً متعمداً لحقوق آلاف العائلات التي تعرضت منازلها للنهب وتدمرت مصادر رزقها.
بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين، لا يمثل هذا الاتفاق "فتح صفحة جديدة" بقدر ما يثير الشكوك حول جدية مسار العدالة الانتقالية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مكانة المحاسبة وجبر الضرر في مرحلة يُفترض أن تكون أساساً لعدالة لا تُبنى على أنقاض البيوت المنهوبة. وقد أثار قرار التسوية غضباً واستياءً عارمين، خاصة بين أهالي الضحايا والمعتقلين والمهجرين، الذين رأوا فيه رسالة صادمة تمس جوهر العدالة الانتقالية التي ينادون بها منذ سنوات، وتعيد إلى الواجهة أسماء ارتبطت في الذاكرة العامة باقتصاد الحرب والاستفادة من منظومة القمع.
وفي هذا السياق، عبّر بسام أبو بكر، أحد أبناء حي جوبر الدمشقي، في حديثه لـ"سوريا 24"، عن غضبه الشديد من هذه الخطوة، معتبراً أن ما يحدث "يهدم ما تبقى من الأمل بالعدالة". وأوضح أبو بكر قائلاً: "هذه ليست أموال استثمار أو تنمية، بل هي أموال بيوت مهدمة ومصانع مسروقة. بيتي كان واحداً من البيوت التي سُحب منها الحديد في وضح النهار، وتحت حماية النظام البائد". وأضاف مؤكداً: "حتى لو بنى لي حمشو قصراً بدل بيتي، فلن أسامحه. القضية ليست تعويضاً شخصياً، بل هي مبدأ عدالة، وأقبل أن أعيش دون مأوى على ألا ينجو أمثال هؤلاء من المحاسبة".
ينظر العديد من السوريين إلى محمد حمشو على أنه أحد أبرز رموز الاقتصاد المرتبط بنظام الأسد، وأحد المستفيدين الرئيسيين من سياسات النهب والاستيلاء على الممتلكات. يأتي ذلك في سياق حُرم فيه ملايين السوريين من بيوتهم ومصادر رزقهم، ويعتبرون أن الثروات التي جمعها حمشو ليست نتاج نجاح اقتصادي طبيعي، بل هي نتيجة مباشرة لاقتصاد بُني على سرقة أملاكهم وحديد أسقف منازلهم واستغلال القمع وغياب المحاسبة.
ومن حي القابون، يروي أبو محمد الحموي لـ"سوريا 24" معاناته قائلاً: "منذ أن هُدم بيتي وسُحب الحديد منه، وأنا أعيش بالإيجار. لن أسامح أحداً في حقي". وتختصر هذه الشهادة معاناة آلاف العائلات التي خسرت منازلها ولم تحصل على أي إنصاف أو تعويض.
أما هناء، وهي نازحة تقيم في أحد مخيمات الشمال السوري، فترى أن الاتفاق "يتجاهل جذور المأساة". وتوضح: "هناك مئات الآلاف من الناس في المخيمات اليوم لأن بيوتهم تدمرت أو سُرقت. بعض البيوت كانت سليمة وتحتاج لبعض الترميم، لكن أسقفها كُسرت لسحب الحديد لمصانع معروفة. لو تُرِكت، كان من الممكن أن نعود للسكن فيها".
وفي سياق أوسع، يعيد هذا الجدل طرح ملف العدالة الانتقالية في سوريا، بوصفها مساراً قانونياً ومجتمعياً يهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة من خلال المحاسبة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار. ويؤكد مختصون في هذا المجال أن العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، بل ترتكز على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، خاصة لمن اضطلعوا بأدوار مالية واقتصادية في دعم منظومات القمع.
ويشير منتقدو الاتفاق إلى أن جبر الضرر لا يمكن اختزاله في تسويات قانونية أو تفاهمات فردية. بل يفترض حجز الأموال المنقولة وغير المنقولة التي جُمعت بطرق غير مشروعة، ووضعها ضمن خطة وطنية شفافة لإعادة الإعمار، بحيث تعود بالنفع على الضحايا والمهجرين، وليس على الجناة أو المستفيدين من الحرب.
ويرى هؤلاء أن تجاهل ملف المحاسبة الاقتصادية، أو إعادة تدوير رموز النهب تحت شعار "فتح صفحة جديدة"، يهدد بتقويض الثقة الشعبية بأي مسار للعدالة، ويفتح الباب أمام إعادة إنتاج الظلم بأدوات مختلفة. فالسوريون، بعد أكثر من عقد من الخسائر البشرية والمادية، لا يطالبون بتصفية حسابات، بل بعدالة حقيقية تعترف بمعاناتهم، وتعيد لهم حقوقهم، وتضع أسساً واضحة لمستقبل لا تُبنى فيه التسويات على أنقاض البيوت والكرامة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة