تحول العقيدة العسكرية الإيرانية: من الدفاع السلبي إلى الردع الهجومي الشامل والضربات الاستباقية


هذا الخبر بعنوان "«اضرب قبل أن تُضرَب»: إيران من الدفاع إلى الردع الهجومي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت العقيدة العسكرية الإيرانية على مدار أكثر من أربعة عقود تحولاً بنيوياً عميقاً، تجاوز مجرد تحديث الأدوات أو تغيير الخطاب السياسي، ليطال جوهر التفكير الأمني وأساليب إدارة الصراع. فقد انتقلت إيران تدريجياً من استراتيجية "الدفاع داخل الحدود" إلى عقيدة أكثر تطوراً ترتكز على "الردع الفعال" و"الدفاع الهجومي"، وصولاً إلى ما يُعرف حالياً بـ"الردع الاستباقي الشامل". جاء هذا التحول كضرورة حتمية فرضتها تجارب ميدانية قاسية، بدأت من خنادق الحرب مع العراق في الثمانينيات، وتطورت عبر حروب غير متكافئة، وصولاً إلى الاشتباك المباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة في العام الماضي.
تُعد الحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988) اللحظة التأسيسية الأولى للعقيدة العسكرية الإيرانية الحديثة. لم تكن تلك الحرب مجرد صراع حدودي، بل كانت حرب استنزاف شاملة شكلت تهديداً وجودياً للجمهورية الفتية، خاصة في ظل الحصار التسليحي والدعم الإقليمي والدولي الواسع الذي حظي به نظام صدام حسين. ورغم دخول إيران الحرب معتمدة بشكل كبير على ترسانة غربية موروثة، إلا أنها سرعان ما واجهت واقع العجز، الذي تجلى في تعرض مدنها، بما في ذلك العاصمة طهران، لقصف صاروخي مكثف، في ما عُرف آنذاك بـ"حرب المدن".
من هذا المنطلق، أدركت إيران حاجتها الماسة لتأسيس أول وحدة صاروخية، وقد أُسندت هذه المهمة إلى اللواء الشهيد حسن طهراني مقدّم، الذي يُعتبر الأب المؤسس للبرنامج الصاروخي الإيراني. لم يكن الهدف مجرد امتلاك وسيلة للرد، بل بناء معرفة تقنية مستقلة. فمن خلال الهندسة العكسية لصواريخ «سكود-B» المحدودة، وُضعت اللبنة الأولى لبرنامج صاروخي محلي، تحول لاحقاً إلى أحد أعمدة الأمن القومي، بعد أن أدركت طهران أن الردع الحقيقي لا يكمن في الدفاع السلبي، بل في امتلاك قدرة هجومية موازية ترفع كلفة أي اعتداء.
في السياق ذاته، دفعت فجوة التفوق التقني مع الخصم إيران إلى ابتكار نماذج مبكرة من الحرب غير المتكافئة. فبدلاً من المواجهة التقليدية، تبنت تكتيكات مرنة تستغل نقاط الضعف في الأنظمة المعقدة، مثل استخدام الزوارق السريعة في الخليج بأسلوب "اضرب واهرب"، والبدء بتصنيع مُسيّرات خشبية قادرة على تجاوز الرادارات الحديثة لجمع المعلومات. أسهمت هذه التجارب في تأسيس فلسفة قتالية متكاملة لازمت العقيدة الإيرانية لاحقاً. وعقب انتهاء الحرب عام 1988، دخلت إيران خلال التسعينيات مرحلة إعادة تعريف الردع، ليس بهدف خوض حرب جديدة، بل لمنع اندلاعها.
مع بداية مرحلة الهدوء وفترة "إعادة البناء"، شهدت الصناعات الدفاعية المحلية توسعاً ملحوظاً، وتركز الاستثمار على تطوير القدرات الصاروخية كبديل عملي لسلاح الجو المتهالك والمقيد بالعقوبات. ترسخ بذلك مفهوم الردع الدفاعي، وبرز مفهوم "العمق الاستراتيجي" الذي أعاد تعريف الأمن القومي كمنظومة تتجاوز الحدود الجغرافية. وقد دفعت فجوة التفوق التقني لدى الخصم إيران إلى ابتكار نماذج مبكرة من الحرب غير المتكافئة.
تجلّى هذا التحول عملياً مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، وظهور تنظيم «داعش» في العراق عام 2014. في تلك الفترة، واجهت إيران تهديداً مركباً عابراً للحدود، مما دفعها لتبني مبدأ "الدفاع من المنشأ"، وهو ما أكده المرشد الأعلى، السيد علي الخامنئي. وقد تُرجم هذا المبدأ، عقب الهجوم الإرهابي المسلح على مقر البرلمان، بالتوسع في الرد خارج الحدود. وفي هذا السياق، شكلت الضربات الصاروخية على مواقع «داعش» في دير الزور، في حزيران 2017، نقطة فاصلة، حيث مثلت أول استخدام علني للصواريخ الإيرانية خارج الحدود، واستُكملت بضربات على مناطق في إدلب السورية، واستهداف مقار «الموساد» في كردستان العراق.
في كانون الثاني 2020، بلغ المسار المذكور إحدى أهم ذرواته عندما استُهدفت قاعدة «عين الأسد» الأميركية، رداً على اغتيال الشهيد قاسم سليماني. أما التحول الأكبر فسُجل في نيسان 2024، مع المواجهة المباشرة الأولى بين إيران وإسرائيل، وما تلاها من عمليتي «الوعد الصادق 1» و«الوعد الصادق 2». أظهرت هاتان العمليتان قدرة إيران على استخدام الصواريخ والطائرات المُسيّرة بكثافة منظمة، واختبار أنظمة الدفاع الجوي المتعددة للعدو، وتثبيت معادلة ردع جديدة تقوم على الرد المباشر من داخل الأراضي الإيرانية.
مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بعد حرب الـ12 يوماً في حزيران 2024، بدأ التحول الإيراني من مبدأ "الدفاع الهجومي" إلى التفكير في "الردع الهجومي" أو "الضربات الاستباقية". شكل هذا تطوراً بارزاً في المسار الاستراتيجي للبلاد، حيث انتقلت طهران رسمياً من وضعية رد الفعل إلى موقع الفعل المسبق. ومن شأن هذا التوجه أن يعيد تعريف مفهوم الدفاع الإيراني، الذي لم يعد يعني انتظار الخصم عند الحدود أو امتصاص الضربة الأولى، بل ضرب العدو عند توفر مؤشرات مؤكدة على هجوم وشيك.
يُعد "الردع بالهجوم" الأداة الأكثر فعالية لمنع الحروب، ويعتمد على عدة عوامل أساسية مترابطة: أولاً، الجمع المعلوماتي والتقني من خلال شبكة رصد واسعة تشمل وسائل تقنية ولوجستية، مما يتيح تحديد مفهوم "التهديد الوشيك" واتخاذ القرار للرد في الوقت المناسب. ثانياً، الحفاظ على قوة الحلفاء إقليمياً، بما يخلق بيئة ردع متعددة الجبهات تشتت قدرة الخصم على التركيز أو الحماية المتزامنة لجبهته الداخلية أو مصالحه وقواعده الإقليمية. ثالثاً، إدارة الاشتباك عبر تنفيذ عمليات وقائية دقيقة ومحدودة تُستخدم لإرسال رسائل ميدانية حاسمة ومنع التصعيد غير المنضبط، مع الحفاظ على إمكانية احتواء المعركة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة